آخر تحديث: 19 / 9 / 2019م - 8:41 م  بتوقيت مكة المكرمة

تعرية المواقف

بدرية حمدان

عندما تتكشف الحقائق وتتعرى مدلولاتها تتمايز الشخوص، في ظل النفاق والتستر بعباءة الأخلاق والفضيلة، فتغير المواقف أمام اغراءات الدنيا والميل للهوى في مقابل القبضة العدوانية للسلطة، تأتي تلك الرسائل والمكاتبات التي تربو على ما يزيد على 150كتاب وإن عدد الذين كتبوا حوالي 18ألف، تدعو إلى نصرة الحق والوقوف أمام بطش السلطان الجائر. فتبدلت المواقف بسبب فقد القدرة على الصمود أمام قوة الفساد وزيع القلوب نحو بريق الذهب والفضة ونفوذ السلطان والمنصب، جعلها تنفض من حول الحق وتخذله، من هنا كانت التعرية لتلك النفوس الضعيفة الممرودة على النفاق. فقد شهدت الكوفة ذلك البعد الذي ينم عن ضعف العقيدة والوعي بأهمية الإصلاح الذي هدفت إليه ثورة الإمام الحسين ، فتحولت الكثير من تلك المواقف من مناصرة وداعية لإحقاق الحق ومطالبة بوضع الأمور في نصابها الصحيح، لتحل محلها مواقف مغايرة منها المعادية المتعطشة لإراقة الدماء الطاهرة، أو محايدة أمام الهجمات وعمليات القمع التي تكون بها السلطة، لكن في مقابل ذلك هناك ثبات للموقف لتلك الشخصيات المناصرة للحق والموالية، لتكون صفحة مشرقة من صفحات التاريخ الخالدة على مر العصور، يستقي منها معنى البطولة والتضحية، فمن تلك المواقف الخالدة والمشرفة موقف طوعة مع مسلم ابن عقيل تلك المرأة الكوفية التي شهد لها التاريخ بالبطولة ليقترن اسمها بمسلم ابن عقيل، وتكون بطلة في قصة حيكت بيد القدر وجرت مجرياتها على اعتاب باب منزل من منازل الكوفة حيث كانت تقطنه امرأة مؤمنة هي زوجة وأم لشقيين من أشقياء الكوفة، حيث وجد مسلم من تلك الدار ملجأ يلجأ إليه من عيون السلطة المدسوسة في كل زقاق من أزقة الكوفة، فيشاء القدر أن يقضي ليلته الأخيرة في ضيافة تلك المرأة عميقة الإيمان والشديدة الحب الولاء لأهل البيت لتحظى بشرف الإيواء لسفير الإمام الحسين بالرغم من شراسة السلطة وتنال البشارة بشفاعة النبي ﷺ كذلك كلفت بأمانة إيصال سلام مسلم لأبنته حميدة. وأمام هذا الموقف الثابت والمشرف للسيدة العظيمة طوعة تم القبض عليها من قبل الجلوزة واحضارها مكبلة بالحديد، وحينما وقفت أمام ابن زياد وسألها عن سبب إيوائها لمسلم ابن عقيل، ردت عليه قائلة كيف لا أوي بن عم الرسول ﷺ وسفير الحسين فقال لها أن هؤلاء خوارج، أجابته بكل جرأة أن هؤلاء هم أهل بيت النبي ﷺ وإن الخارجي هو أنت فأمر بسجنها لتخرج بعد فترة من الزمن مريضة هزيلة، مواسية النساء الهاشميات وبنات الرسالة في مصابهن.