آخر تحديث: 27 / 2 / 2020م - 10:25 ص  بتوقيت مكة المكرمة

شجرة عيد الميلاد وقلق الهويّة

ليالي الفرج * صحيفة الرأي السعودي

إن ما يميّز المجتمعات بعضها عن بعض، تلك السمات الفارقة والمعجونة بخليطٍ تَشكّل من مكتسبات الفرد، وكما عبّر «تايلر» عن ثقافة الشعوب بأنها مجموع العادات والتقاليد والمبادئ والمعارف والقوانين والفنون التي يكتسبها الفرد في مجتمعه، لذلك ينبغي إدراك أنّ هناك فرقًا شاسعًا بين المحافظة على الهوية الثقافية والدينية وبين رفض الثقافات الأخرى واعتبارها من مُبطلات العقيدة ومن مُهلكات السمات الروحية لأفراد المجتمع.

مؤخرًا تداول كثيرون حملة مقاطعة الشراء من جهة تجارية بسبب إعلانها التسويقي، والذي يتضمن صورة لشجرة أعياد الميلاد والتي يعتبرها كثيرون في مجتمعنا الإسلامي مجرد واجهة جمالية من ديكورات المنزل، بينما فئة أخرى يعتبرونها رمزًا مستفزًّا باعتبارها تخدش العقيدة الدينية وتستفز مشاعر المسلمين وكأنها تخترق عمق القناعات الدينية فتحول الفرد إلى فرد ضعيف العقيدة ومُهين لرواسخها التي بُنيت عليها، ولم يعد كائنًا يتميّز بالعقلانيّة والمقدرةِ على الالتزامِ الأخلاقيّ الذي منبعهُ دينه وإنسانيته.

هل يعقل أن وجود شجرة زينة في بقعة ما تُحَوِّل عقيدة وديانة الإنسان؟ وهل لها الأثر الفعلي في التنكر للهوية الأم؟.

وهناك أيضًا مجموعة من التساؤلات لا تتسع مساحة المقالة لذكرها، وقد تبدو عند أي فرد متزن ومستقل فكريًا، أنها تساؤلات فكاهية وسطحية وإجاباتها بديهية ولا تحتاج إلى تفصيل، لأن العقيدة الراسخة والقناعات الدينية وحتى القناعات المبنية على الأعراف المجتمعية، هي لا تتأثر بالعوامل الشكلية والصورية، فالعقيدة منبعها القلب والعقل على حد سواء، فإن بُنيت على الفهم والتحليل المنطقي والوضوح فإنها تتجذر بعمق وقوّة ولن يؤثر فيها مجرد تداخل واندماج ثقافات مجتمعية كشجرة زينة أو تفعيل فعالية مرتبطة بعقائد الآخرين.

ومن المهم أن نعترف أن مثل هذه الحملات والتي تُأصِّل في أفراد المجتمع التعصب العقائدي، هي تضرنا كأفراد مجتمع أكثر مما نتصور، لأنها ستُنشئ لنا إما أفرادًا متزمتين ومتمسكين بشكليات عقائدية مغلفة بتحليلات غير منطقية وفيها من المغالطات ما فيها، أو سيتشكل في مجتمعنا جيل منسلخ من العقيدة ونافر من كل ما هو مرتبط بالدين، والسبب الرئيس في ذلك هو أنه نشأ على تحريم المباح بصورة مبالغة، ربما هذا التحريم جاء من باب التخويف والتنفير كي لا نقع في المحظور، وظنًا منهم أنهم سيربون جيلًا متدينًا، لكنهم لم يحسبوا حسابًا بأن الحياة ستتغير ولن يظل المجتمع منغلقًا منزويًا مدى الحياة.

لذلك حين اندمج الفرد بما خلف المحيطات من معرفة وثقافة بجميع أنواعها، تغيرت المعادلة، وحين انفتح على المجتمعات سواء عن طريق الاندماج المباشر كالسفر والتواصل الاجتماعي وأيضًا من خلال برنامج الابتعاث والذي كان له دور كبير في الانفتاح على الثقافات والمعارف المجتمعية، وأدرك ما لم يدركه مسبقًا، ومن الأفضل أن نحرص على تربية الأجيال الناشئة على الوعي بالمنطق والتحليل ومعرفة الثوابت والمتغيرات وليس حبسهم في دائرة الجمود.

كاتبة رأي في صحيفة الشرق السعودية
شاعرة ومهتمة بترجمة بعض النصوص الأدبية العالمية إلى العربية ، ولها عدَّة بحوث في المجال التربوي.