آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 1:49 م

كورونا.. الترفع

محمد أحمد التاروتي *

كشفت أزمة كورونا القناع عن بعض الوجوه، بحيث باتت مكشوفة على الملأ، نتيجة المواقف التي اطلقتها بصورة مقززة، ومخجلة في الوقت نفسه، حيث اتخذت مسار التنمر سبيلا للتعبير عن وجهة نظرها، مما ساهم في كشفت عورتها امام الجميع، نتيجة سقوط ورقة التوت التي كانت تتستر خلفها، وبالتالي فان محاولاتها لترقيع مواقفها لممارسة الخداع مجددا، ستبقى جهودا مكشوفة، وغير قادرة على إعادة الأمور لسابق عهدها.

كورونا استطاعت وضع النقاط على الحروف بصورة جلية، فالمواقف الملتبسة او الرمادية باتت من الماضي، لاسيما وان الازمة في بداية وضعت الجميع امام انعطافة تاريخية، مما ساهم في انكشاف الأمور على حقيقتها بدون مواربة او غموض، الامر الذي شكل صدمة اجتماعية لدى البعض، جراء إزالة المساحيق التجميلية عن الوجوه، لاسيما وان مواقف التنمر تعكس القناعات الداخلية، والمرتكزات الفكرية، ”ما اضمر امرئ من شيء الا ظهر على قسمات وجه او فلتات لسانه“، وبالتالي فان محاولة تغطية تلك المواقف، او العمل على تجميلها، او إعادة صياغتها بطريقة مختلفة، عملية مكشوفة وغير مجدية على الاطلاق.

محاولة انتهاج سياسة المواربة والخداع، او العمل تجميل الصورة، لتفادي السقوط الاجتماعي، ممارسات مؤقتة او ذات اثر محدود للغاية، فهذه النوعية من الممارسات قد تنطلي على شريحة ضيقة، ولكنها غير قادرة على اختراق البيئة الاجتماعية بشكل كامل، فالتنمر غير مبرر على الاطلاق مهما كانت الدواعي والأسباب، وبالتالي فان التاريخ قادر على محاكمة المواقف المتنمرة بطريقة عادلة، فمرحلة كورونا شكلت مفصلا تاريخيا، وشاهدا حيّا، على مصداقية المواقف، نظرا لوقوف البيئة الاجتماعية على حقيقة الأمور بشكل دقيق، خصوصا وان تلك الفئة تتحرك بطريقة مصلحية في التعاطي مع المواقف، بهدف إخفاء القناعات الحقيقية على الشريحة العظمى من المجتمع، بيد ان الحقائق تتكشف في الأوقاف الصعبة، مما يحدث صدمة كبرى لدى مختلف الشرائح الاجتماعية.

الانقسام الكبير في المواقف، يكشف الكثير من الأمور المدفونة تحت الرماد، طوال الفترة الماضية، فهناك العديد من القضايا تشتعل بصورة كبيرة، بمجرد هبوب بعض الازمات السريعة عليها، حيث تشكل الوقود الذي يلهب القناعات المدفونة في النفوس، سواء نتيجة مصالح خاصة، او بسبب الضغوط الخارجية، بيد ان تلك المصالح تتهاوى بشكل جماعي، بمجرد بروز تحدي حقيقي، يفرض اظهار المواقف بشكل علني، وبالتالي فان الانقسام الداخلي تفرضه الازمات الداخلية، وليس ناجما عن الضغوط الخارجية في الغالب، خصوصا وان عملية الاختيار تتطلب انتهاج وسيلة إرضاء فئة محدودة على حساب المجتمع، نظرا لتقارب القناعات الشخصية، مع مصالح تلك الفئات الصغيرة.

سلوك التنمر لا يضع في اعتباره التداعيات الكارثية على التماسك الداخلي، فهو ينطلق من دوافع شخصية، او استجابة لدعوات غير مفهومة في الغالب، بحيث تترجم على اشكال متعددة وصورة مختلفة، بيد انها توجه في الغالب لشريحة محددة، جراء افتقارها للأدوات اللازمة، للوقوف في وجه الفئات المتنمرة احيانا، وتارة اخرى نتيجة الشعور بالقوة، وغياب القانون الرادع، لايقاف مثل هذه الممارسات غير الأخلاقية.

أزمة كورونا وغيرها من الازمات المختلفة، تمثل اختبارا حقيقيا لمدى تطابق المواقف الخارجية مع القناعات الداخلية، فهناك العديد من الاّراء لا تعكس المرتكزات الفكرية، بيد انها تبقى مدفونة لفترات طويلة، نظرا لعدم وجود اختبارات حقيقية لإظهارها للعلن، الا ان الازمات تمثل الميدان الحقيقي، لإثبات المواقف المعلنة مع القناعات الداخلية، بمعنى اخر، فان أزمة كورونا أعطت مؤشرات حقيقية على التناقض الكبير، لدى البعض تجاه بعض الفئات الاجتماعية، من خلال انتهاج وسيلة التنمر في الأوقات الحرجة، عوضا من اتخاذ سبيل التعاضد والتغاضي الأخطاء غير المقصودة، بهدف تعزيز التماسك الداخلي في البيئة الاجتماعية.

الترفع عن الهوامش والتركيز على الجوهر، عملية ضرورية في الأوقات الصعبة، باعتباره السبيل لتدعيم اركان البيت الداخلي، نظرا لحساسية المرحلة من جانب، والعمل على تسخير جميع الطاقات لرص الصفوف، من جانب اخر، فالأزمات تكشف معادن الرجال في الغالب.

كاتب صحفي