آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 1:43 م

هلال كورونا

محمد أحمد التاروتي *

لم تقتصر تأثيرات جائحة كورونا على الجوانب الصحية، والعلاقات الاجتماعية، والاثار الاقتصادية، وانما شملت كذلك الكثير من نواحي الحياة البشرية، فقد ظهر تأثير الوباء على هلال رمضان في الموسم الحالي، فالكثير من المعارك الافتراضية التي تشهدها وسائل التواصل الاجتماعي، في الأعوام الماضية انحسرت بشكل كبير، فالمخاوف من الإصابة بالفيروس القاتل، شكلت الأولوية في المرحلة الراهنة، مما انعكس على المعارك في الفضاء الافتراضي على صحة الهلال، ودخول الشهر الفضيل من عدمه، وغيرها من المعارك الكلامية، التي تنطلق مع اليوم الأول من شهر رمضان، ولتبدأ معركة جديدة مع هلال الفطر السعيد.

مر هلال رمضان بطريقة سلسلة للغاية، اذ لم تشهد وسائل التواصل الاجتماعي، سيلا من الرسائل المنتقدة، لعدم صيام هذه الفئة، وصحة صيام تلك الفئة، مما أعاد الهدوء للساحة الإعلامية في معظم الدول الإسلامية، نتيجة ”كل مشغول بهمه“، وليس في وارد الانشغال بمعارك جانبية أخرى، لاسيما وان معركة هلال شهر رمضان ليست جديدة، حيث تتجدد بشكل سنوي، دون الوصول الى الية للقضاء عليها بشكل ودي.

استخدام هلال شهر رمضان، كغطاء لتصفية الحسابات الشخصية او الدينية، يمثل احدى الدوافع لاشعال المعارك في الفضاء الافتراضي، مع اعلان رؤية هلال الشهر الفضيل، حيث تبدأ الأصوات ”تنعق“ مع اللحظات الأولى لبدء دخول الشهر الكريم، من خلال التسليط على تلك الفئة الاجتماعية، وهذه البلاد الإسلامية، عبر توجيه السهام السامة لاثارة النعرات على اختلافها، الامر الذي يكشف جانبا من الثقافة التي تحرك تلك الفئة، ويفضحها مبرراتها التي تحاول ”اخفائها“ على الجميع، فالهلال يمثل إشارة لدخول الشهر القمري، ولكنه ليس مقياسا لمدى ايمان هذه الفئة، وضعف ايمان تلك الفئة.

استطاع وباء كورونا فرض سطوته على الجميع، من خلال اسكات الأصوات الكثيرة، التي تجد في العالم الافتراضي، مساحة واسعة لاثارة الخلافات، وتكريس الخلاف بالصف الإسلامي، تارة بدعوى الاهتمام بعبادة المسلم، والحرص على وحدة المسلمين، وتارة أخرى بادعاء كشف الحقيقة، وإزالة الغشاوة، عن ابصار الكثير من المسلمين، بيد ان تلك المبررات لا تخرج عن كونها ”ادعاءات“ زائفة، لا تصمد امام الضوابط الشرعية والدينية، خصوصا وان القاعدة الإسلامية تنص على ”صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته“، وبالتالي فان التكليف الشرعي للمسلم مرهون برؤية الهلال، سواء بالنسبة لاعلان دخول شهر رمضان، او بيان الانتهاء من فرض الصيام.

تجربة هلال كورونا يمكن ان تؤسس لمرحلة ذات أهمية للسنوات القادمة، فهذه التجربة بالإمكان الاعتماد عليها لالقاء المعارك الجانبية وراء الظهر، من اجل التركيز على أمهات القضايا والتغاضي على الأمور الهامشية، خصوصا وان الدخول في المعارك التافهة ينعكس على طبيعة العلاقات الخارجية، ويسهم في توسيع الشقة، واحداث شرخ كبير، في جدار الصف الإسلامي الواحد، بمعنى اخر، ان جائحة كورونا شكلت فرصة ذهبية لاحداث تحولات في بنية التفكير الاجتماعي، وتأسيس قواعد أخلاقية، قادرة على وضع ضوابط بعيدة عن ”افتراض النوايا السيئة“، في عبادات واعمال الاخرين.

هلال رمضان الحالي لم يختلف عن بقية اهلة اشهر الله الماضية، باستثناء الهدوء الكبير الذي صاحبه، والتزام الأصوات الشاذة للقواعد الأخلاقية، الامر الذي ساهم في احداث حالة من السكينة، نوع من الاستقرار في النفوس، مما ينعكس على روحانية الشهر الكريم، والتفرغ التام للعبادة، بعيدا عن التعرض بالاساءة للاخرين، والتشكيك في صحة العبادة، وغيرها من الممارسات الاستفزازية، التي يحاول البعض اظهارها، سواء بطريقة مباشرة او غير مباشرة، خصوصا وان عملية التوافق على أسس أخلاقية ليست سهلة مع هذه الفئة، نظرا لوجود قناعات واحكام مسبقة، مما يجعل عملية انتزاعها صعبة للغاية، بيد ان وباء كورونا فرض كلمته على الجميع، بحيث أعاد التوازن العقلاني بطريقة صارمة، بطريقة تفكير بعض الفئات تجاه طريقة تعبد الفئات الاخر،، فالفيروس الخفي اصبح بمثابة ”السيف“ على رقاب أصحاب الفتن، وارباب الخلافات الهامشية، واثارة الخصومة في المجتمع.

كاتب صحفي