آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 1:49 م

تبوك تستعيد مأساة جدة

سكينة المشيخص * صحيفة اليوم

أن يخطئ مقاول في تنفيذ مشروع قبل تسليمه قد يكون مقبولا في السياق الهندسي لأنه يمكن معالجة الخطأ وتحميله المسؤولية، وأن يخطئ مهندس في التصميم جائز ويمكن استدراك الخطأ، ولكن أن يعيد مسؤول ما أخطاء غيره ويتغطى بالنتائج المأساوية لتلك الأخطاء فذلك يعني عدم كفاية الدرس في تلقينه المبادئ الأخلاقية لإدارة الشأن العام وحماية المجتمع من انهياره الأخلاقي وثغرات أسلوبه في إدارة مصالح الناس، وذلك في خلاصته نموذج واقعي للفساد الذي يفتح أبوابه لكل من مات ضميره وفقد طاقته القيمية التي تمنعه من تغليب مصالحه الذاتية وحماية المال العام من وسواس الشيطان.

يبدو أن سيول جدة كانت بمثابة البوابة الأولى والتي امتدت كعدوى الى مناطق أخرى، فمنذ أيام غرقت تبوك بسيول تنذر بكارثة إنسانية، فأودية تبوك تحولت الى مخططات سكنية، حيث تضاعفت مساحة تبوك الى أكثر من «5» أضعاف خلال 20 عاماً، وواقعها الجغرافي كان يتطلب مشروعات تستوعب أي أضرار محتملة من جريان الأودية، ولكن لم يحدث ذلك فاستعادت المدينة كارثة جدةوقضايا الفساد في واقعها من أكثر القضايا التي ترهق العمل العام وتعطل مصالح الوطن والمجتمع والأفراد وتؤسس لجريمة معقدة تنتشر معها تبعات الفقر من جرائم واختلاسات ولصوصية وغير ذلك من الآفات الأخلاقية التي تعصف بالكيان الاجتماعي وتقضي على البنية الاجتماعية الموحدة فيه، ومن فظائع كوارث الفساد ما كشفه مجلس الغرف السعودية من أن الفساد يأكل من حق المواطن السعودي ودخله السنوي بمقدار الثلثين، إذ أشار الى أن دخل الفرد العادي له أن يرتفع من واحد وعشرين ألف دولار سنويا الى أكثر من ثمانين ألفا، في حال تم القضاء على الفساد المالي والإداري في المملكة، ومن هذا المنطلق نجد أن الكم الهائل من الفساد ليس بالهين تجاهله واقصاؤه خاصة أن نسبة الفقر المتضخم مجهولة كميا وإحصائيا، ولكنها مرئية كواقع مجتمعي محسوس، وهذا يعود في مصدره الى العبث الذي يرتكبه بعض المسؤولين بدون وازع، وتغييبهم لضمائرهم، وتماديهم في استغلال المال العام بدون وجه حق، وقد انتشر الفساد كورم سرطاني خبيث لا يمكن السيطرة عليه، من نطاق العبث في المشاريع الصغيرة الى العبث في المشاريع الكبيرة والمؤثرة والتي من الممكن أن تتولد من خلالها كارثة إنسانية ضخمة، تهدد أمن الناس وحياتهم.

محمد الشريف رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد كشف مؤخرا عن وجود مشاريع بالمليارات ينخرها الفساد حاليا، قاصدا بذلك مشاريع الطرق والصرف الصحي، معتبرا أن التحقيق في الفساد لا يقتصر على القضايا الصغيرة فقط، وهذا مما يعود بالذاكرة الى كارثة غرق جدة قبل سنوات بسبب افتقارها الى شبكة صرف صحي وقنوات تصريف سيول متكاملة، وكانت كارثة جدة صدمة للمجتمع السعودي أفقدته الثقة في نزاهة بعض المسؤولين، وتوقع المجتمع وقت ذلك بأنها ربما تكون بداية لعملية اصلاح واجتثاث جذور الفساد، وتأمل المجتمع وقتذاك خيرا من تحسينات البنية التحتية ومعاقبة المسؤولين عن الكارثة، ولم يكد يفوق المجتمع السعودي من هذه الصدمة حتى تفاجأ بغرق جدة مجددا، وكأن الدرس الأول لم يكن بمثابة منبه يذكرنا بحجم المأساة، ويبدو أن سيول جدة كانت بمثابة البوابة الأولى والتي امتدت كعدوى الى مناطق أخرى، فمنذ أيام غرقت تبوك بسيول تنذر بكارثة إنسانية، فأودية تبوك تحولت الى مخططات سكنية، حيث تضاعفت مساحة تبوك الى أكثر من «5» أضعاف خلال 20 عاماً، وواقعها الجغرافي كان يتطلب مشروعات تستوعب أي أضرار محتملة من جريان الأودية، ولكن لم يحدث ذلك فاستعادت المدينة كارثة جدة لنواصل ذات السيناريو المقيت للفساد ونتائجه المرعبة، فمتى نمحو من ضمائرنا وقاموس العمل العام لدينا هذه اللفظة الكريهة؟!