آخر تحديث: 28 / 10 / 2020م - 6:09 م

مع شخصيات الفكر والأدب - الشيخ الدكتور عبد الله أحمد اليوسف «3»

ناصر حسين المشرف *

أهمية تدوين التجارب الشخصية

لكل إنسان تجاربه وذكرياته الخاصة به في الحياة، لكن القليل من الناس من يدون تلك التجارب ويحفظها، بالرغم من أهميتها لصاحبها في معرفة صياغة ذاته، وبناء شخصيته، واكتشاف عوامل القوة ونقاط الضعف لديه، كي يبني على تلك التجارب ما يفيده للانطلاق نحو مرحلة جديدة من النمو والبناء والإبداع والعطاء.

ولعلَّ من أجمل الأمور وأحلاها استعادة الذكريات الجميلة، والحكايات المفيدة، والتجارب العملية في عالم القراءة والمطالعة والتصنيف والتأليف، وهو العالم الذي كنتُ وما زلت أعيش بين أوراقه متصفحاً وقارئاً أحياناً أو مسطراً ما يخطه قلمي من أفكار وآراء في أحيان أخرى، فلا أنفك أن أعيش إلا بين الأوراق إما قارئاً ما فيها، أو مسطراً في صفحاتها.

وبعد تجربة قاربت الأربعين عاماً في عالم القراءة والتصنيف، يطيب لي أن أقدم هذه التجربة بكل ما فيها من ألم وأمل، بصورة مختصرة جداً، لكل من يروم القراءة والكتابة، عسى أن يكون فيها ما يكون محفزاً ومفيداً للطامحين نحو الوصول إلى عتبة التأليف والتصنيف.

وانطلاقاً من قول أمير المؤمنين الإمام علي : «فِي التَّجارِبِ‏ عِلمٌ‏ مُستَأنَفٌ» [1] ، أقدم خلاصة تجربتي في القراءة والكتابة لجميع الأحبة من القراء الأعزاء والمتابعين لهذا الحوار، راجياً منهم جميعاً أن يتكرموا عليّ بملاحظاتهم وأفكارهم حول هذه التجربة الخاصة.

القراءة والكتابة هوايتي المفضلة

لكل واحد منا رغباته وميوله وهواياته، كما أن لكل واحد منا مواهبه وقدراته وإمكاناته، وهي لا يمكن أن تكون متطابقة في كل أحد، وإن بدت كذلك أحياناً، فهي أشبه بالبصمات التي تبدو متطابقة لكنها لا يمكن أن تكون كذلك أبداً.

وبالحديث عن الذات فقد كانت رغباتي وهواياتي منذ الصغر تميل إلى الجانب العقلي، وهذا البعد من شخصية الإنسان لا يمكن أن يقوى إلا بالقراءة ثم القراءة ثم القراءة... وهكذا كان، فكنت أحب القراءة، وكانت هوايتي الرئيسة القراءة والكتابة.

فأحببت القراءة منذ البداية، كما يحب العاشق معشوقته من أول نظرة، لأنها تنسجم مع طبيعتي، وتستجيب لميولي ورغباتي، وتغذي عقلي، وتنمي مواهبي وقدراتي الكتابية.

شراء الكتب بأي ثمن

كنت منذ الصغر  وما زلت  أبحث عن الكتاب الجيد أينما كان، وأشتريه بأي ثمن، فالمهم عندي هو اقتناء الكتاب للاستفادة منه وإن غلا ثمنه، فالعلم لا يقدر بثمن.

وأتذكر أنني كنتُ أجمع مصروفي القليل الذي يُعطى إليَّ للمدرسة كي أشتري به كتاباً، كما كنت أجمع ما أحصل عليه من مال من عملي أثناء تعطيل المدرسة لشراء ما تيسر لي من الكتب، فقد اشتريت كتاباً بأكثر من خمسمائة ريال وهو لا يستحق - الآن - أكثر من ثلاثين ريالاً، ولكن لندرة الكتاب وصعوبة الحصول عليه وقتئذٍ كنت أشتري الكتاب بأي ثمن.

وقد بدأت بتكوين مكتبة خاصة لي منذ أن كان عمري يقارب الخمس عشرة سنة، وكنت أذهب لمكتبات الدمام فضلاً عن مكتبات القطيف لأشتري منها ما يروق لي من كتب ثقافية وفكرية وأدبية وغيرها.

الإعجاب ببعض الكتّاب

يتفاوت الكتّاب في أساليبهم الكتابية، وأيضاً يتفاوت القراء في أذواقهم القرائية، فربما أعجبت بكاتب من أول ورقة قرأتها له، وربما قررت الصدود عما كتب ويكتب.

وقد نال إعجابي بعض الكتّاب الذين تأثرتُ بأسلوبهم الكتابي، وربما بأفكارهم أو بعضها؛ ومن هؤلاء: كتب الشهيد السيد محمد باقر الصدر الذي قرأت له كتابي اقتصادنا وفلسفتنا قبل ذهابي لطلب العلم الشرعي، وأعجبت بأسلوبه الرائع وأفكاره العميقة، كما تأثرت ببعض الكتب والكتيبات للمرجع الديني الراحل السيد محمد الشيرازي والسيد هادي المدرسي وغيرها من الكتب لكتّاب آخرين التي كانت تصلنا وقتها من دولة الكويت في عقد السبعينيات من القرن العشرين المنصرم، فوجدت فيها نَفَسَاً جديداً، وتعطي رؤية أخرى للدين والحياة غير المألوف وقتئذٍ، وتتناغم مع روحية الشباب ولغتهم.

كما أعجبتُ بكتابات الأستاذ عباس محمود العقاد الذي أحتفظ بكامل أعماله، وأسلوب الشيخ محمد تقي فلسفي في كتبه، والمؤلف الأمريكي الشهير «دايل كارنيجي» الذي قرأتُ كل كتبه المترجمة للغة العربية، وأعجبت بأسلوبه المتميز.

ويعجبني كثيراً كتابات الشيخ محمد جواد مغنية الذي قرأت له منذ الصغر كتاب «الإمام الحسين وبطلة كربلاء» والذي اشتريته بثلاثمائة ريال قبل أكثر من أربعين عاماً. ومنذ ذلك الحين لا أتردد في شراء أي كتاب للشيخ مغنية مهما كان موضوعه أو حجمه أو سعره.

وكنتُ وما زلتُ معجباً بأسلوب الشيخ مطهري وبأفكاره التجديدية، وآرائه العميقة، وكذلك كتابات الشيخ محمد مهدي شمس الدين والشيخ باقر شريف القرشي والشيخ ناصر مكارم الشيرازي والشيخ جعفر السبحاني وغيرهم؛ وطبعاً هذا الإعجاب أو التأثر في بداية مسيرتي القرائية لا يعني الاتفاق معهم في كل شيء؛ خصوصاً بعد أن قطعت مشواراً بقدر ما في طريق العلم الذي لا ينتهي، ونضجت لديّ بعض الأفكار، وتغيرت بعض القناعات، وهو أمر بديهي يدركه أهل العلم وهو دأب أهل الرأي والفكر.

أقرأ كل شيء

قاعدتي في القراءة تقول: لا يوجد كتاب ليس فيه فائدة، لكن قد تكون الفائدة كبيرة وقد تكون قليلة، والانفتاح في القراءة يدل على انفتاح الشخصية، أما الانغلاق فدليل على انغلاق صاحبها.

ولأن القراءة من أهم طرق الحصول على المعرفة المنهجية في شتى حقولها؛ فلذلك أحب أن أقرأ أي كتاب، ولأي كاتب، وفي أي مجال معرفي.

فقد قرأتُ آلاف الكتب، ولمؤلفين متنوعين في الدين والمذهب والفكر والتوجه من القدامى والمعاصرين، فقرأتُ لعلماء دين كثيرين ومن مختلف المذاهب، فكما قرأتُ أكثر كتب الشيخ مغنية ومطهري وفلسفي والقرشي؛ قرأتُ كذلك بعض كتب القرضاوي والغزالي وسيد قطب ومحمد قطب ومصطفى محمود وفهمي هويدي ومحمد عابد الجابري وغيرهم كثر. وكما قرأتُ للإسلاميين على تنوع مشاربهم قرأتُ كذلك لليبراليين والعلمانيين على اختلاف توجهاتهم، وكما قرأت لكتاب من الشرق قرأت لكتاب من الغرب.

وكما قرأتُ الكثير من الكتب في علوم الشريعة كالفقه والتفسير والكلام والحديث والرجال بحكم تخصصي فيها؛ قرأتُ أيضاً في علوم أخرى كعلم النفس والاجتماع والسياسة والاقتصاد والتاريخ والفكر والثقافة والأعلام والتراجم.... وغيرها.

وركزتُ في بداية قراءاتي على الكتب الأدبية لتنمية موهبتي الأدبية وإثراء مفرداتي اللغوية؛ فقرأتُ لغادة السمان والمنفلوطي وجبران خليل جبران وغيرهم. كما وجدتُ في قصص بنت الهدى أحسن القصص.

وكنتُ ولا زلت أقرأ بعض الصحف والمجلات الفكرية والثقافية والفقهية وربما السياسية أحياناً، والجدير ذكره هنا أنني كنت شديد الحرص على اقتناء مجلة العربي الكويتية حيث كان يكتب فيها كبار الكتّاب العرب، ولا زلتُ أحتفظ بأعداد كبيرة منها، كما كنت أتابع كتاب عالم المعرفة. وكنت أقرأ مقالات مختارة في مجلة القافلة التي تصدرها شركة أرامكو والمجلة العربية ومجلة الفيصل ومجلة الاجتهاد وغيرها من المجلات العلمية والثقافية والأدبية، كما أصبحتُ الآن أقرأ في الإنترنت يومياً بعض المقالات والمواضيع المتنوعة.

وكنتُ في بداية حكايتي مع القراءة أهتم بمطالعة كتب النجاح، فقرأتُ سلسلة النجاح، كما كنتُ أميل وقتها لقراءة الكتب النفسية والاجتماعية، فقرأت الموسوعة النفسية التي تتكون من عدة أجزاء، والكثير من كتب علم الاجتماع، وعلم النفس الاجتماعي، وعلم النفس الديني وغيرها.

القراءة بين التنوع والتخصص

كنتُ في بعض الأوقات أتنوع في قراءاتي، وفي أحيان أخرى أتخصص، وعادة التخصص في القراءة في جانب معين تفرضه عليَّ الكتابة في موضوع تخصصي، أو مرحلة زمنية تفرض عليَّ أن أتخصص في موضوع محدد كي أنمي ثقافتي ومعارفي في ذلك الحقل المعرفي والعلمي.

لكن بطبيعتي أحبُ التنوع في القراءة، وإن كنت أرى في القراءة المتخصصة فوائد جمة: كالتركيز والاستيعاب والتعمق في موضوع البحث.

وتبقى للكتابة في موضوع معين كالتاريخ أو الأعلام أو بناء الشخصية... وغيرها تأثيرها في توجيه قراءاتي نحو التخصص للمزيد من التعمق المعرفي والعلمي والثقافي.

آثار القراءة

للقراءة الواعية آثار وفوائد عديدة، فهي تنمي المعارف والعلوم عند الإنسان، وتزيد من نضجه المعرفي والعلمي، وتنير له دروب الحياة، وتعمق رؤيته الفلسفية للكون والحياة والإنسان.

وكلما انتهيت من قراءة كتاب اشتقت لقراءة كتاب آخر، تماماً كمن يشرب من ماء البحر لا يزيده إلا عطشاً، وأنا كلما استغرقت في قراءة الكتب ازددت تلهفاً وشوقاً للغوص في أعماق المعرفة، والبحث عن قيعان العلم إن كان له قيعان، وأنَّى له ذلك!

أمنيتي في القراءة

أمنيتي المفضلة في عالم القراءة والمطالعة أن أتمكن من قراءة كل الكتب، وكل المجلات والصحف، وكل ما يكتب وينشر من نتاج معرفي مهما كان نوعه ومساره.

وكم أحلم - والحلم شيء مشروع - أن يكتشف العلم يوماً ما أنه بالإمكان تحويل الكتب من الورق وصهرها في علبة كالدواء ثم توضع في إبرة أو كبسولة وتعطى للإنسان القارئ كي يتغذى عقله بكل العلم والمعرفة!

فعمر الإنسان محدود وقصير، ولن يتمكن أن يقرأ كل شيء، أو يتابع كل جديد، أو يفهم كل علم، ولا سبيل لذلك بالنسبة لي إلا يوضع كل ذلك النتاج البشري في كبسولة أشربها وأشرب العلم معها!

ألم أقل لكم أنني أحلم...!

سامحوني على أحلامي... فلم يعد أمامي سوى أن أحلم!










 

[1]  الكافي: ج 8 ص 22 ح 4، كتاب من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 388 ح 5834، تحف‏العقول: ص 96، بحارالأنوار: ج 68 ص 342 ح 15.