آخر تحديث: 30 / 9 / 2020م - 9:29 م  بتوقيت مكة المكرمة

سنوات الزوادة والسَفرطاس

مع أواخر السبعينات اختفى تقريبًا جيل ”الزوادة“، المؤسس الذي كان يتأهب للعمل مع طلوعِ الشمس ويعود بعد غروبها، وبين الطلوع والغروب يحمل معه زوادته وفيها ما أعدته له ”أم العيال“ في المساء من مؤنةِ يومه، يحمله في ”السفرطاس“ من الأواني المعدنية الأسطوانية الشكل، المرتبة على شكل طبقات في رزمةٍ واحدة، وكأنما هو ذاهبٌ في سفرٍ بعيد ولا يرغب أن يأكل زاده باردًا.

كنت أنا مع زملائي ننتظر انطلاق حافلة المدرسة كلَّ صباحٍ من سوقِ جزيرة تاروت نحو القطيف، فحينها لم يكن يوجد مدرسة ثانوية في الجزيرة بعد. وكان مكان تجمعنا بالقرب من موقف حافلات شركة أرامكو التي تقل العاملين فيها نحو مناطق أعمالهم. ولا أخفيك سرًا كم كنا نتلهف وننتظر بشغف أن نكونَ مثلهم، من الذين يحملونَ الزوادة ويساهمون في بناءِ عوائلهم ومجتمعهم ودولتهم بكل فخر واعتزاز، يعملون في كلِّ أصنافِ المهن وفي مختلفِ الظروف حتى سنوات عمرهم الأخيرة، لا يتأخرونَ يوماً إلا لمرضٍ أو نهاية خدمة.

جيل الزوادة هو من ترك خلفه جيلًا مكتملًا من الأطباء والمدرسين والمهندسين والمفكرين والعاملين بكل نجاح، وأكاد أجزم أن جينات جيل الزوادة مرت من خلال معاناتهم في تربية من بعدهم، لينتجَ جيل زوادة آخر لا يستنكف عن العمل، ولا يشتكي من التعب، ويحول التحديات إلى فرصٍ حقيقية، حتى أنه عُرف في كل مكان بأنه الصنف المميز والجاد في عمله.

وبالفعل فقد خرج من بين صفوف ذلك الجيل من العمال البسطاء الكثير من التجار ورواد الأعمال والمقاولين وأصحاب الوكالات، مهنٌ أخرجتهم من صفوف البسطاء إلا أنها لم تخرجهم من صف المجدين والعاملين دون *كللٍ* أو ملل.

ليس المجتمع الناجح هو المجتمع الذي لا ينتج إلا الطبيب والمهندس وأصحاب الياقات البيضاء فقط، بل المجتمع الناجح هو من ينتج بالإضافة إلى هؤلاء جميع أنواع حاملي الزوادة وأصحاب الياقة الزرقاء، فلا تهتز بنيته الاقتصادية والاجتماعية في أي أزمة صغرت أم كبرت.

وليس المجتمع الناجح هو فقط من يقدر صنفًا واحدًا من المهن، بل المجتمع الناجح الذي كله ”امهات عيال“ وحواضن، يقدر جميع أصحاب الزوادة ويكرمهم، ويستخدمهم ويَستأجرهم، وينظر لهم بعزة وفخر. وهذه الفترة الحالية هي خير مثال على أهمية مستقبل العامل وبقائه في وظيفته آمنًا مستقرًا.

من المؤكد أن من هم دون العشرين في العمر لا يعرفون كثيرًا عن ذلك الجيل، ولكنهم دون ريبة يعرفون قيمةَ العمل ويقدرون العامل وهم في طور تكوين وتأسيس حياتهم وحياة من يخلفهم في وقتٍ لا تقل فيه الصعوبات والتحديات عن السابق، بل ربما هي أكبر وأعقد.

مستشار أعلى هندسة بترول