آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 2:32 م

شهر المغفرة «26»

محمد أحمد التاروتي *

ست جوائز رحمانية تظلل الصائم طيلة شهر رمضان المبارك، فهذه الجوائز الإلهية ضمن العناية الربانية الدائمة على العباد، بيد انها تظهر بشكل واضح في شهر المغفرة والتوبة، نظرا لما يمثل الشهر الفضيل من عناية خاصة ”شهر رمضان شهر أمّتي“ و”كل عمل ابن آدم له كفارة إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به“، فالجوائز الإلهية خلال شهر رمضان توزع على الجميع، ”يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ? وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ“.

خصائص شهر رمضان المبارك، لا تشترك بها الأشهر الأخرى على الاطلاق، فهذه الاعمال مرتبطة بشهر التوبة دون غيرها، نظرا لاقتران حصول هذه الجوائز في شهر المغفرة تحديدا، بهدف تحفيز الصائم على الاجتهاد، والحرص على توفير الأرضية المناسبة، للفوز بتلك الجوائز الرحمانية، ”فَإِنَّ الشَّقِيَّ مَنْ حُرِمَ غُفْرَانَ اللهِ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْعَظِيمِ“ وبالتالي فان التحرك الصحيح باتجاه مغفرة الله، يسهم في حصد تلك الجوائز مع نهاية الشهر الفضيل.

أولى تلك الجوائز الإلهية للصائم، خلال ساعات النهار وأوقات الليل، تتمثل في تحول الانفاس الى تسبيح لله تعالى، مما يجعل حصر حصيلة التسبيح صعبة، خصوصا وان عدد الانفاس في الدقيقة الواحدة يتراوح بين 12 - 20 نفسا، وبالتالي فان الصائم يحصل على اجر كبير في الساعة الواحدة، فما بالك بالشهر الكريم، الامرالذي يمثل جائزة كبرى، تضاف الى الحصيلة الاخروية، للصائم طيلة ساعات الشهر الكريم، ”ونَفَسُكَ فيه تسبيح“.

بينما الجائزة الثانية تتمثل في تحول النوم الى عبادة، فعداد الحسنات يبدأ في الدوران، بمجرد وضع الصائم رأسه على الوسادة، حيث يتحول النوم سواء خلال ساعات الليل، او النهار الى عبادة، وضمن الرصيد الاخروي، للصائم طيلة الشهر الكريم، ”ونَوْمُك فيه عبادة“، بيد ان ذلك لا يعني الركون الى النوم الطويل، فالمرء مطالب بالعمل والسعي للرزق، من اجل خلافة الانسان على الأرض، والتحرك الدائم، بما ينفع ذاته والمجتمع، في مختلف المجالات الحياتية.

والجائزة الثالثة تتمثل في تكفل الخالق للصائم، بقبول الطاعة، والاعمال الصالحة، ”وطاعتُكَ فيه مقبولة“، فالاعمال من الصائم مقبولة، مما يدفع المسلم لزيادة جرعة العبادة، سواء خلال ساعات النهار او أوقات الليل، بهدف الخروج برصيد كبير من الحسنات، والعمل على الاستغلال الأمثل لشهر رمضان المبارك، نظرا لادراكه بأهمية الاجتهاد بما يقربه الى الخالق ”اللهم نسألك حسن الخاتمة“، لاسيما وان الانسان لا يعرف، هل يستمر عمره للساعات القادمة او ينتقل الى جواربه؟.

غفران الذنوب للصائم تمثل الجائزة الرابعة، فالمسلم يتحرك على الدوام ضمن دائرة الخوف والرجاء، واجتناب المعاصي، بالإضافة للتوبة الى الله لغفران الذنوب الكبيرة، وبالتالي فان شهر رمضان فرصة كبرى للتوبة الى الله، وبدء حياة جديدة في العلاقة مع الخالق، خصوصا وان الصيام يسهم في تقوية الاراد والصبر، لساعات طويلة عن تناول الاكل، مما يحفز على بدء مرحلة أخرى للالتزام بالاوامر الإلهية، في شتى المجالات العبادية، بمعنى اخر فان، ”تصفير“ الذنوب خلال الشهر الكريم خطوة أساسية، لبدء حياة مختلفة تماما عن المراحل السابقة من العمر، ”وذنوبُك فيه مغفورة“.

الجائزة الخامسة تتمثل في ضمان سماع صوت الصائم على الدوام، خصوصا وان المسلم يكون في عبادة طوال ساعات النهار، مما يجعله قريبا من الخالق من جانب، وملتزم بالفريضة الربانية من جانب اخر، ”يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ“ ”مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ? إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ“، وبالتالي فان الايمان الكامل بمراقبة جميع الاعمال، تدفع للحرص على الابتعاد عن جميع التصرفات السيئة، والعمل على الاختيار الصائب على الدوام، بهدف وضع تلك الاعمال في ميزان الحسنات، ”وأصواتُكَ فيه مسموعة“.

الرحمة الإلهية تشكل الجائزة السادسة للصائم، ”ومناجاتُكَ فيه مرحومة“، فالصائم يعمل لنيل رحمة الله، والفوز برضوانه والخلود الدائم في الجنان، وبالتالي فان شهر الصيام يمثل محطة أساسية لنيل الرحمة الربانية، ”قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَ‌فُوا عَلَى? أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّ‌حْمَةِ اللَّهِ“، و”وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ“، فالرحمة الإلهية شاملة لجميع العباد على الدوام، بيد ان شهر رمضان يحفل بهذه الجائزة، باعتباره ضمن الرحمات الربانية الكثيرة على العباد.

"بشِّر أيُّها الصائم، فإنَّك في شهرٍ صيامُك فيه مفروض، ونَفَسُكَ فيه تسبيح، ونَوْمُك فيه عبادة، وطاعتُكَ فيه مقبولة، وذنوبُك فيه مغفورة، وأصواتُكَ فيه مسموعة، ومناجاتُكَ فيه مرحومة".

كاتب صحفي