آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 2:32 م

شهر المغفرة «27»

محمد أحمد التاروتي *

الغفلة تمثل الافة التي تآكل الطموح، لدى الانسان في حياته، فالمرء الغافل غير قادر على تنظيم حياته، بشكل ينسجم مع تحقيق الغايات الإلهية، الساعية لإنقاذ البشر من براثن الامراض النفسية، خصوصا وان الغفلة تلعب دورا إبقاء الانسان في حالة ضياع، وعدم الاستقرار في مسيرته الحياتية أحيانا، والاخروية أحيانا أخرى، مما يستدعي ايقاظ المرء من سكرة ”الغفلة“، لابصار الطريق الصحيح للوصول الى نهايته، بعيدا عن المطبات المزعجة او الخطيرة.

مرض الغفلة لا يقتصر على ممارسات محددة، فهناك الكثير من الاعمال تتطلب اليقظة التامة، للاستفادة منها بالطريقة المناسبة والمطلوبة، بهدف تكرس الخطوات الثابتة، بما يخدم المصلحة الدنيوية والاخروية للإنسان، وبالتالي فان معالجة مرض الغفلة يستدعي انتهاج اليات مختلفة، خصوصا وان الغفلة من الامراض الخطيرة التي تتطلب جهودا عملية، لاسيما وان المرء يتحرك باتجاهات متعددة في الحياة الدنيا، بيد ان الاختلاف يمكن في طريقة اختيار الطريق المناسب للخروج من الغفلة القاتلة.

عملية الخروج من الغفلة بحاجة الى الإرادة الصلبة، والعمل الدؤوب على الدوام، مما ينعكس بصورة مباشرة على الممارسات الخارجية، وطريقة التعاطي مع العبادات بمختلف أنواعها، اذ يمثل ذكر الموت احد العوامل المساعدة للخروج من حالة الغفلة، والضياع على الصعيد الذاتي والاجتماعي، ”اذكروا هادم اللذات“، فاليقين بالعمر القصير، وانتقال الروح الى خالقها، يوقظ من الغفلة، ويعيد المرء الى الجادة الصائبة، مما ينعكس إيجابيا على السلوكيات الخارجية.

محاسبة الذات على الدوام، يمثل احد الحلول المناسبة للخروج من الغفلة، فالمراجعة المستمرة للخطوات والممارسات اليومية، عنصر أساسي في وضع المرء بالاتجاه المناسب، فالترسبات والمغريات الحياتية تحرف الانسان عن المسار السليم، مما يمهد الطريق الى الدخول في متاهات متعرجة وغير سوية، الامر الذي ينعكس سلبيا على الوضع السلوك الخارجي، وكذلك العلاقة مع الخالق في العبادات، من خلال التراخي أحيانا عن أداء تلك العبادات في اوقاتها، او تركها بشكل نهائي.

المناسبات الدينية تمثل احدى الحلقات الأساسية، لاعادة الانسان الى الجادة مجددا، لاسيما وان الركض السريع وراء الدنيا، يمهد الطريق امام تراكم الترسبات على التفكير العقلي، بحيث يقود الى الغفلة بشكل جزئي او نهائي، فالمناسبات الدينية تساعد في تخفيف السرعة عبر وضع مطبات في منتصف الطريق، بهدف إعطاء الانسان فرصة زمنية لترتيب بيته الداخلي، الامر الذي ينعكس بصورة مباشرة او غير مباشرة للعود مجددا، بما يخدم الهدف الاسمى للإنسان عبر تجديد العلاقة مع الخالق، وبالتالي استدارك الفرصة المناسبة، وإيقاف الركض في اتجاهات دنيوية، ومحاولة رسم طريقة أخرى، في أداء العبادات على اختلافها.

شهر رمضان بما يمثله من مناسبة دينية كبرى، قادر على احداث اثر كبير في انتزاع الانسان من حالة الغفلة، خصوصا وان هذه العبادة تحمل الكثير من الدروس والعبر، على الصعيد الشخصي والاجتماعي في الوقت نفسه، نظرا لقدرة هذه الفريضة على وضع الصائم على المسار السليم، من خلال وضع إطارات خاصة لتقوية العلاقة مع الخالق، وبالتالي تمهيد الطريق امام الخروج من الغفلة، سواء على صعيد الصعيد الشخصي او الاجتماعي.

عبادة الصيام تمتلك قدرة كبرى في استقطاب المرء، باتجاه الكثير من العبادات سواء في ساعات النهار او الليل، حيث تترجم في الحرص على قراءة القرآن، وغيرها من الاعمال المستحبة، بخلاف أداء الصلاة في اوقاتها، بالإضافة لذلك فان الصوم يحث على التكافل الاجتماعي، عبر مساعدة الاسرة المحتاجة، مما يرفع بعض حجب الغفلة عن القلوب، وتحريك العقول بما ينفع في الدنيا والاخرة، ”فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ“ ”فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ“ ”وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ? وَسَتُرَدُّونَ إِلَى? عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ“.

الغلفة بما تتركه من اثار سلبية على المرء، تمثل احد الأسلحة الفتاكة التي تقود المرء الى الهاوية، والخروج عن الجادة الصائبة، مما يستدعي الحرص على انقاذ الذات من الركون اليها، من خلال انتهاج الاليات المناسبة لطرد هذه المرض الخطير، بواسطة استخدام الوسائل المناسبة والقادرة على الحفاظ على التوازن في الحياة الدنيا، خصوصا وان المرء الذي يترك العنان للاهواء يسقط في مستنقع الضياع والخسران، ذاتيا واجتماعيا في الغالب.

"أيُّها الصَّائم تدبَّر أمرَك، فإنَّك في شهرِك هذا ضيفُ ربِّك، أُنظر كيف تكون في ليلِك ونهارِك، وكيف تحفظُ جوارحَك عن معاصي ربِّك، أُنظر أنْ لا تكون باللَّيل نائماً وبالنَّهارِ غافلاً فينقضيَ شهرُكَ وقد بَقِيَ عليك وِزْرُكَ، فتكونَ عند استيفاء الصَّائمين أجورَهم من الخاسرين، وعند فَوْزِهم بكرامة مليكِهم من المحرومين، وعند سعادتِهم بمجاورة ربِّهم من المَطرودين".

كاتب صحفي