آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 1:49 م

سنة الكمامات

محمد أحمد التاروتي *

باتت الكمامات السمة البارزة، منذ بروز فيروس كورونا في انحاء العالم، حيث أصبحت السلاح الأكثر قدرة، على حماية المجتمعات من عدوى الوباء العالمي، نظرا لفاعليتها في تقليل احتمالية انتقال الفيروس من شخص لاخر، مما ساهم في الانتشار الواسع لهذه هذه ”القطعة“ الصغيرة.

الإجراءات الاحترازية للوقاية من جائحة كورونا، تشكل احد الأسباب الرئيسية وراء التوسع الكبير لـ ”الكمامات“، بحيث لم مقتصرة على فئة الأطباء او بعض الفئات الأخرى، كما كان في الفترة التي سبقت اجتياح الفيروس كوكب الأرض، بل باتت الكمامات مشاعة على المستوى العالمي، مما جعلها من السلع الأكثر حضورا في مختلف الدول العالمية، نظرا للمخاوف الكبيرة من الإصابة بالفيروس القاتل، فالاستخدام لهذه القطعة الصغيرة يشمل النساء والرجال والكبار والصغار.

الدعوات الكثيرة من الجهات الصحية على المستوى العالمي، ساهمت في ارتفاع الوعي لدى الناس، بضرورة توخي الحذر، وعدم التهاون في اتخاذ الإجراءات الاحترازية، خصوصا وان سهولة انتقال العدوى بالفيروس، يدفع لانتهاج مختلف الوسائل للوقاية من الإصابة، وبالتالي فان الكمامات تمثل احدى الوسائل لمكافحة العدوى، نظرا لقدرة الفيروس القاتل تنقل بين المخالطين، بمجرد الاحتكاك المباشر او بواسطة الرذاذ.

الخوف يشكل بدوره احد الأسباب وراء الالتزام الكمامات في جميع الأماكن الخارجية، خصوصا وان استمرار ضحايا الفيروس على المستوى العالمي، يحفز على إبقاء ”القطعة الصغيرة“ على الوجه في الأسواق، او غيرها من الأماكن الأخرى، لما يمثله من أهمية بالغة لحماية الذات من الإصابة بالوباء الخطير، وبالتالي فان المخاوف من الإصابة بالمرض يدفع للاستجابة الكبيرة، مع متطلبات الوقاية من المرض القاتل.

سجل التاريخ القديم والحديث الكثير من الحوادث، بحيث طبعت عليها مسميات ”خاصة“، مثل ”الاثنين الأسود“ و”عام الكساد“ و”سنة النكسة“ وغيرها من الأسماء الأخرى، وبالتالي فان جائحة كورونا ستمد الطريق لاعتبارها ”سنة الكمامات“ كاحدى الأسماء التي ستحفر في الذاكرة على عام 2020، نظرا لانتشار هذه القطعة بكثرة في كافة الدول العالمية، بحيث باتت الوجوه المتوارية خلف الاقمشة ذات الألوان المختلفة، من الأشياء المألوفة لدى الجميع، فوسائل الاعلام تتناقل مئات المقاطع والصور التي توثق انتشار هذه الظاهرة على الصعيد الشعبي والرسمي، مما يمثل ظاهرة غير مسبوقة في مختلف الدول العالمية.

هذه الظاهرة الفريدة وغير المألوفة في السنوات الماضية، فرضتها جائحة كورونا على الجميع ”مجبر اخاك لا بطل“، فالمرء يحرص عادة على ابراز ملامحه للاخرين لاظهار الجمال، تارة باستخدام مختلف أنواع المواد التجميلية وتارة أخرى بواسطة انفاق الأموال في عمليات التجميل، بيد ان تلك الجهود والمبالغ التي انفقت في تزيين الوجوه، ذهبت ادراج الرياح مع الزامية الكمامات اثناء المناسبات العامة، وبالتالي فان الفيروس القاتل وضع جميع الوجوه على قدم المساواة، حيث اجبر الناس على إخفاء ملامح الوجوه، مما جعل الكمامات تتصدر الواجهة، منذ انتشار الوباء على الصعيد العالمي.

الكمامات تعكس حالة من التحول الثقافي الاجتماعي والقدرة على الاستجابة السريعة للمخاطر التي تهدد الحياة، وبالتالي فان التعاطي مع ”الكمامات“ باعتبارها ”قطعة قماش“ يعطي انطباعات قاصرة في القدرة على التحولات السريعة، لدى المستوى الثقافي لدى مختلف الشرائح الاجتماعية، لاسيما وان الممارسات تعكس قناعات اجتماعية بالدرجة الأولى، مما يعطي مؤشرات بوجود ارهاصات إيجابية لدى المجتمعات، بحيث تبرز على شكل تفاعل غير مسبوق للتعاطي مع التحديات الخارجية، فالقراءة الواقعية تعكس حالة من التفاعل الثقافي مع المستجدات، في طريقة التعامل مع جائحة كورونا.

قراءة المشهد من الناحية الاجتماعية تعكس حالة من الوجل، وكذلك تعطي دلالة على إمكانية احداث تغييرات، في منهجية التفكير الجمعي، خصوصا وان عملية التغيير الجذري تتطلب الكثير من الجهد في الغالب، بيد ان بعض التحولات السريعة مرتبطة بالصدمات الكبرى، مما يفرض التأقلم مع الاوضاع الجديدة، الامر الذي يؤسس لتحولات ثقافية سواء كانت دائمة او مؤقتة، فالعملية مرهونة بمدى توسع هذه القناعة في الذاكرة الاجتماعية، فاذا كانت محدودة وغير جذرية، فانها سرعان ما تتلاشى، فيما تكون اكثر عمقا، بمجرد انتشارها في مختلف الشرائح الاجتماعية.

كاتب صحفي