آخر تحديث: 29 / 9 / 2020م - 12:30 م  بتوقيت مكة المكرمة

الزارع يحصد الصحة والسنين والأجر!

إن أردت أن تعمر أطول وفي صحةٍ أفضل فليست الإدارة أو الهندسة ولا المال والأعمال والطب ما تحتاج، بل أن تكون مزارعا تعمل بجد ونشاط وتعيش غايات حياتك كلها! ومع أنه ليس بوسعنا كلنا أن نكون مزارعين فلابد من الطبيب والتاجر والمهندس والمدرس والعامل، لكن كلنا نستطيع أن نكون أقرب خطوة من المزارع في هواية البستنة.

دراسةٌ بعد أخرى تبين أن المنشغلين بالبستنة، ولو قليلا، يتمتعون بمنظر الخضرة والجمال، ويعيشون أصحاءَ حتى الثمانين والتسعين وبعدَ المائة من العمر. ولا غرابة أيضا إذا الدراسات أبانت أن الانشغال بالبستنة يعين كبار السن على تحسين الذاكرة وقلة النسيان، فالهَواء الطلق وضوء الشمس المعتدل يجعلان كبار السن أكثر هدوء، وتضيف لهم ألوانُ الطبيعة قدرةَ تحسين النظر واللمس.

ولا أستبعد أنها تكون وقتا مستقطعا للزوج والزوجة حينما يشتركان في هوايةٍ ممتعة بدلا من صدأ العلاقة والخلافات التي تتسرب بين الأزواج في مجتمعنا بعد ترك العمل الرسمي وبعد أن يغادر الأولاد والبنات المنزل.

هذه الهواية البسيطة وإن كانت في مساحةٍ صغيرة فهي تعطي ممارسَها الفرصة من أجل الحركة والنشاط والتمارين الجسدية المتوسطة الجهد في عملٍ روتيني ودوري. ومع ما تحمله الأيام من ضغط على صحة الإنسان يجد عامل البستنة كما تقرر الدراسات مخرجًا ومتنفسا يحسن من مزاجه ويروح به عن نفسه.

في الواقع ليس هناك دواء بشري - بعد - يمنع عنا الشيخوخة، لكن هواية البستنة تبدو خيرَ معينٍ لنا في تحسين حياتنا مع تقدم العمر. حيث مع تقدم العمر وانشغال الأبناء والأصدقاء كلٌّ في عالمه، هي الورود والأشجار بإمكانها أن تعطي من يحبها سببًا ليستيقظ من النوم ويعتني بها بدلاً من أن لا يكون في جدوله إلا الفراغ وتذكار أيام الصبا. وربما تشارك الأصدقاءُ القدامى  في هذه الهواية أو خلقت لمن يمارسها أصدقاءَ جدد أيضا.

لابد أن يكون في بيوتنا الحديثة حدائق خضراء قدر ما أمكن، فالعنَاية بالنباتات والمشي في الحدائق خارج الأسوار الاسمنتية يخفف من ضغط الدم وأمراض السرطان والكآبة، وكثير من أطباء اليوم يضمون إلى وصفاتهم الطبية علاجَ المشي بين الطبيعة، ولو تطلب هذا العمل مالاً من أجل إصلاح التربة وفاتورة الماء في فصل الصيف فذلك في محله لمن يستطيع.

حقا من المؤسف أن بيئتنا ومَساكننا يغلب عليها الطابعُ الرملي المتصحر والاسمنت القاسي، مع أنها قابلة لنمو الورود والأشجار في أغلب فصول السنة بقليلٍ من الجهد والمال!

من المعقول أن ننظر للبستنة ومهنة الزراعة أنها وصفة سحرية تطيل العمر خصوصا إذا انتظمت مع توازن الحياة بين الخمول والنشاط المعتدل والمفيد والمقدور عليه. مفتاح أسرار التوازن في الحياة هو في الأكل المعتدل، ونشاط العقل والجسد المستمران والارتباط الإنساني، وكأنما هو مقعد من أربعة قوائم إذا اختلت واحدة سقطنا من فوق المقعد. ومن أجمل الهوايات التي تفعل الأربعةَ قوائم دفعةً واحدة هي هواية البستنة.

كل هذه الحدائق ذات البهجة والصحة والعمر المديد لا تخلو أيضا من أجرٍ في الآخرة، فهذا شيء مما روي عن النبي محمد ﷺ:

”ما من مسلمٍ يزرع زرعًا أو يغرس غرسًا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كانت له به صدقة“

”ما من رجلٍ يغرس غرسًا إلا كتب الله له من الأجرِ قدر ما يخرج من ثمر ذلك الغرس“.

مستشار أعلى هندسة بترول