آخر تحديث: 25 / 9 / 2020م - 6:36 م  بتوقيت مكة المكرمة

مخاوفنا المالية

ياسين آل خليل

الأمن والاستقرار والراحة أمور حياتية رائعة يبحث عنها جميع الناس في كل مكان وزمان. من بربك اكتفى بما لديه، أو استغنى عن ما في أيدي الناس. إذا أقدم أحدهم وقال لك بأنه سيوفر لك الأساسيات من حاجياتك مقابل عمل ثماني ساعات، فهل ترفض عرضا مغريًا كهذا..؟

البعض يرى في هذا العرض تجارة بخس حيث إنك تدفع أثمن ما لديك ”الوقت“ مقابل حفنة من المال يمكنك الحصول عليها، لو استثمرت وقتك لنفسك وفي عمل أنت تهواه بدلا من أن يستعبدك شخص ما في وظيفة اخترتها طواعية، ليسلب منك حريتك التي لا يعادلها شيء.

‏إذا كان البعض يَرَون بأن العمل الحُر يُمكن أن يَدُرْ عليهم دخلًا أفضل ويُوفّر لهم الكثير من الوقت والحرية، فما هو السبب وراء تكالب السواد الأعظم من الناس على الوظيفة..! الواقع المُرّ يملي، بأن تغطية الكثير من الالتزامات اليومية تحتاج دخلًا شَهْرِيًّا ثابتًا، والوظيفة تكاد هي الوحيدة هذه الأيام، التي يُمكنها تحقيق ذلك المطلب، بشكل مريح، ودون الحاجة للتفكير في الدخول إلى متاهات العمل الحر.

‏ماذا لو اكتشفت للتو إنك كنت تطارد الهدف الخطأ.. ها هو راسك قد اشتعل شيبا، بعد أن عملت سنين طويلة، لتكتشف لاحقًا إنك جمعت الكثير من المال، لكن لم يتبق لديك الكثير من الوقت. لسوء الحظ لا يمكنك الرجوع من جديد ومقايضة ما لديك من المال الذي جمعته لتسترد ما أضعته من الوقت..!

وا حسرتاه لِعمرٍ ضاع أكثَرُهُ

والويل إن كان باقيهِ كَماضيهِ

*بهاء الدين زهير

‏في عالم يهتز من فوقنا ومن تحت أرجلنا، بات ملايين البشر حول العالم مسكونين بالمخاوف المالية، مذعورين، مذهولين مما قد تؤول إليه الأمور من فقدهم مصدر عيشهم الأوحد وتبدد مدخراتهم هي الأخرى. لم يفكروا ولو لدقيقة واحدة أنهم قد يصل بهم الحال إلى هذا الوضع الكارثي. فالوقت آخذ في التسلل خفية بينما حلّ الخوف ضَيْفا ثقيلا، لينذر بما هو أسوأ، جائحة لا تبقي ولا تذر، وآثار اقتصادية متردية تاكل المرتبات والمدخرات، كما النار في الهشيم..!

‏ما تتخيله في أغلب الأحيان عادة ما يكون أكثر رعبًا مما تعرفه. أنت عندما تتحقق من رصيدك البنكي، يعتريك خوف غريب، ليس سببه احتمالية انخفاض الرصيد بعينه، بقدر ما هو هلع بأن ما لديك ربما لا يكفي لرعاية نفسك وعائلتك. من السهل القول إن المال مجرد أداة نستعين بها لتحريك أمور حياتنا اليومية.. ليس إلا..!

حان الوقت الذي ندرك فيه أن المال قوة عظيمة باتت تلعب دورًا مُهِمًّا في تشكيل إدراكنا الفردي والمجتمعي على السواء. تَعَرُّض هذا الرافد الحيوي للضعف، أمرٌ في غاية الخطورة، لما لَهُ من دَور في صُنع الطمأنينة والاستقرار للمواطن البسيط. ضَعف هذا الرافد يعني تردي نمط الحياة للكثير من الأسر، ما قد يتسبب في تنامي الكراهية والضغينة بين الناس.

تباين واتضاح الفوارق في المداخيل، أصبح يشكل عبئًا وضغطا نفسيا على أصحاب الدخل المَحدود، ومنها المَسُّ بقدراتهم على تأمين أساسيات الحياة من مطعم ومسكن وغيرها من متطلبات العيش الكريم.، خاصة في ظل بهرجة المتمكنين ماديا واستخدامهم لشبكات ومنصات التواصل الاجتماعي، التي لا تُخْفِي على الناس خَافية، لإظهار نمط حياتهم والتفاخر بما لديهم.

كلٌّ منّا له نمطٌ مُحدد من الحياة يكبر ويتنامى مع توفر البنية الصحيحة والصحية للحُرّية المالية. مهما كبُرَت الوظيفة، فهي أبعد ما تكون، من أن تُحقق للفرد الحُرية المالية، ومنها إلى تطلعاته لشغف الحياة ورفاهيتها، والتي عادة ما تكون مُرتبطة بمداخيل الممتلكات من الأصول الثابتة. المال قد يوصلك إلى النجاح والشهرة، لكن إذا لم تشعر بالرضا عن نفسك قبل أن تجني المال، فإن المال وحده لن يحقق لك السعادة التي تبحث عنها.

النجاح هو أسلوب حياة وليس وجهة، لذلك عليك مطاردة العاطفة والإخاء والودّ، وليس المال. ابحث عن الأشياء التي تجعلك تشعر بالراحة النفسية، بعدها يمكنك وضع التدابير للارتقاء بِمَدَاخيلك المالية وتطويرها. بهذا يمكنك القول بأنك حققت إنجازًا حقيقيا.

‏عندما تتدحرج مخاوفنا المالية وتكبر ككرة الثلج، يكاد من المستحيل مواجهتها. لإحداث تغيير إيجابي، أنت لست بحاجة إلى مواجهة مخاوفك مُجْتَمِعة وفي وقت واحد. بدلا من القفز لعمل خطة طويلة المدى، تضع فيها نهاية لمخاوفك المالية مرة واحدة، عليك أن تتدرج في إدراك بنود نفقاتك الشهرية، والعمل على تقييمها ووضع المعايير المناسبة لكل منها. هذه الخطوات قد لا تحل مشكلتك من جذورها، لكنها بداية إيجابية، تجعلك تشعر بتحسن على المدى المتوسط، ومناورة حكيمة، من شأنها تبديد الكثير من مخاوفك المالية المستقبلية.