آخر تحديث: 28 / 9 / 2020م - 9:48 م  بتوقيت مكة المكرمة

الأثر والآثار

المهندس أمير الصالح *

شغلني السؤال التالي لفترة من الزمن: ماذا سأترك من أثر لمن بعدي من الأجيال القادمة؟ لا سيما في سماء الممتدين انتماءا ونسبا وموطنا وقومية من المحيطين بي. وهل يستحق الأمر التفكير فيه من الاصل؟ قد يكون نفس التساؤل يدور في ذهن البعض من الناس. وقد يكون الجواب التالي يجري على الّسن البعض من الناس: أنا لا أملك مالا وفيرا لأحدث أثر ملموس، ولا أملك نفوذا لأحدث تغير لمجرى أحداث معينة، ولا أملك مختبرا علميا لأجري أبحاث واطلع بنتائج تفيد البشرية، ولم اُعطى فرصة متكافئة لإدارة مركز علمي أو صرح حضاري متقدم أو شركة كبرى لأبرز اساليب ومهارات الإدارة الناجحة أو لأطرح نظرية علمية / اقتصادية / اجتماعية ناهضة. وقد يقول آخر أنا مجرد إنسان عادي وقضى عمري ولم أعرف الممنوع من المسموح للخوض فيه أو الكلام عنه. وقد يقول آخر: أريد السلامة فكل قدراتي وطاقتي تتمحور حول السعي الحثيث لتجذير استقلالي عن الاستقطابات مع بعض المحاولات المتواضعة في تأكيد ما يدور في خلدي من مشاريع ثقافية متواضعة الامكانيات المالية أو محدودة الأثر الزمكاني مثل إصلاح ذات البين أو المشاركة في حملة تجميع مساعدات انسانية للمحتاجين والفقراء. وقد يكون البعض من الناس ممن لا يوجد لديهم ذات التساؤل لكونه يتشحط بعرقه وبالكاد يستجلب الطعام لعياله أو على النقيض منه من هو منغمس في لذاته وشهواته حتى أصبحت ربا يُعبد من دون الله.

قبل فترة طُرح سؤال عفوي في قروب واتس آب عن أهم آثار وأعمال شخص رحل من الدنيا والراحل منسوب تصنيفا لجهة علمية وثقافية. جاء إدراج خبر تأبين رحيله السنوي العشرين في القروب كسبب لطرح بعض تلكم التساؤلات للوقوف على الانتاج العلمي. ومنها طرح سؤال مفاده: ماهي أهم آثار وأعمال الراحل العلمية أو المواقف البطولية المدونة عنه؟ خفت وهج القروب من التعليق إلا شذرات بسيطة جدا والأغلب تفادى النقاش. بدأ لأول وهله بأن الواضح بالنسبة لي هو أنه ليس هناك إنتاج علمي معتد به ومطبوع لشخص الراحل أو أن هناك سجل حافل بالجرأة والنضال ولكنه لا يناسب توجهات زمكانية معينة أو أن المؤبنيين لرحيله على نياتهم ولمجرد المشاركة تم إرسالهم لنبأ التأبين أو لأشياء أخرى في نفس من رسلها كتخليد المكانة الاجتماعية لأحد أصوله أو التذكير بشهامة الراحل لاستلهام المواقف منها.

في الفترة الأخيرة، حاولت أن أجد تفسير لظاهرة كثرة التأبين ببعض الراحلين شبه المعاصرين من قبل أحفادهم مع انعدام الآثار العلمية لأولئك الراحلون وإلى أي مدى سيستمر تجديد هذا النشاط السنوي. وهل هناك أي توظيف لتلكم المناسبات بشكل اجتماعي أو علمي أو تربوي أو أدبي.

بات معلوما بأن آثار الشعوب والأمم السابقة من مباني ومخطوطات جدارية وصحف هي شواهد العيان الناطقة بما خلدوا أولئك عن أنفسهم وتركوا للعصور والأجيال اللاحقة. وهي الشاهد الناطق عما كانوا مساهمين به في الارتقاء الانساني على جميع الأصعدة. وبات أيضا معلوما بأن هناك مجتمعات تم كبحها أو طمس معالم حضارتها بسبب تنمر المنتصرين عسكريا عليها أو تمادي واستطالة الكراهة الدينية بين مجتمع المستحوذ عسكريا والمهزوم. وأضحى جليا كجلاء الشمس ان الابداع والابتكار والتألق البشري لأي مجتمع في أي عصر يحلق في آفاق كبيرة عندما تكون سماء الحرية واحترام الحقوق وانتظام القوانين وتخطي حواجز العنصرية بكل أطيافها متاح للجميع.

ومع هذه العجالة فما زال السؤال يدور في ذهني: ماذا سأترك أو تترك من أثر لمن بعدنا من الأجيال القادمة؟ وهل تأليف كتاب أو إطلاق رواية أو تبني مواقف والجهر بها أو المساهمة في تكوين شركة تحتضن العاطلين من أبناء المجتمع هي القنوات الوحيدة لإحداث الأثر وتخليد الآثار. وهل يستحق الأمر التفكير فيه من الأصل؟