آخر تحديث: 26 / 9 / 2020م - 5:54 م  بتوقيت مكة المكرمة

آدم والتحديات الصعبة

زكريا أبو سرير

يقال إن الرجل الذي يهبه الله سبحانه وتعالى مظهرا ذات رهبة ومواصفات خشنة غالبا ما يكون قلبه رقيقا ورؤوفا وعطوفا، يحمل في داخله قلب طفل لطيف ووديع يستحسنه غالب الناس بمجرد الاحتكاك به في أي جانب من جوانب الحياة. الأخ والصديق العزيز المرحوم آدم العقيلي صاحب كنية قوية ومشهورة منذ نشأته كاسمه آدم، وكنيته المشهورة الذي رافقته مع مسير حياته «أبو البشر». بالفعل كان هذا الرجل منذ عرفناه صاحب شخصية متميزة في وسط مجتمعه التاروتي بالدرجة الأولى، حيث كان يتميز بنغمة صوت كالرعد ليس لها مثيل وضحكة لا أظن أني سمعت مثلها من أحد من البشر وهي شبيهة بأوتار صوته الجبلي فكان مشهورا ومتعارفا لدى كل أهالي المنطقة.

وبرغم ما يمتلكه من شخصية تبدو من النظرة الأولى أنه رجل قاسٍ جدا، فإن هذه الفكرة سرعان ما تتلاشى مباشرة عند أول لقاء معه فتجده إنسانا وديعا لطيفا أنيسا. وقد أجزم أن لا أحد يكل أو يمل من الحديث والمجالسة معه، فكما أعطاه الله تميزا في جوانب خلقه، كذلك رزقه الله محبة ووُد الآخرين له.

كان ”أبو البشر“ شخصية اجتماعية من الطراز الأول. بحيث يستطيع أن يتداخل مع أي شخصية بسهولة دون أي تكلف ولديه وسائل جذب فائقة جدا، وهذا ما يسمى في العلوم الحديثة ب «مهارات الاتصال»، ولعله كسب هذه الصفة الجميلة والرائعة عندما تحمل عناء العمل منذ صغره مع والده، واختلاطه وتعامله مع تنوع شرائح المجتمع، حيث كانت طبيعة عمله مع والده مقدم طعام وخاصة اللحم المشوي، إضافة إلى الشاي المخدر على نار من خشب الأشجار، الذي كان في نفس المقهى الذي يعمل فيه عندما كان المقهى ممتلئا من الأشجار المتنوعة، وكذلك كان مقهى شبيها بحديقة طيور أفريقية جميلة للغاية وطيور شرقية وآسيوية في منتهى الجمال، إضافة إلى الطيور القطيفية الموسمية الرائعة.

وقد كان المقهى يقع بين مسبح في وسط السوق المشهور باسم «حمام تاروت» وأمام القلعة التاروتية الأثرية العريقة. هذا المقهى العقيلي تميز عن مختلف المقاهي الأخرى في المنطقة، في الشكل والتصميم وفي نوعية الطعام أي الشواء والشاي ذا النكهة والراحة والطعم اللذيذ. منذئذ أخذت تتكون شخصية الحاج آدم ”أبو البشر“ بفعل التحديات الحياتية التي ارتسمت في كل جوانب حياته بما في ذلك هواية تربية الطيور التي صاحبته لآخر حياته.

أبو البشر لا يؤمن بالمستحيل..

كل من صاحب هذا الإنسان يكتشف فيه حبه المجازفة والإصرار على تحقيق مراده. حتى إنه في بعض الأحيان يفاجئ من معه بفكرة قد تكون للوهلة الأولى بمثابة نكتة أو مزحة، لكنه مع ذلك يستمر في طرح تفاصيل فكرته بكل ثقة، حتى يظن المستمع له أنها تسلية كلام أو حديث مجالس، يقال في الليل ويمحوه النهار، إلا أن المفاجئة الكبرى حين تجده قد أرسى قواعد فكرته وبدأ بالفعل بالعمل على تطبيق تلك الفكرة التي كانت عند مجالسيه ضرب من الخيال. وأتذكر واحدة من مئات من هذه المجازفات في حياة المرحوم الحاج آدم، حيث كنت أنا وهو والأخ المقري الحاج علي محمد آل حسين حفظه الله، جالسين في جلسة عادية وكنا جميعا في سن مبكرة، وكان المرحوم يكبرنا بسنوات قليلة، وكان بلا وظيفة ولا دخل شهري ثابت أو حتى يومي، فقال أنا أريد أن أتزوج فضحكنا من هذه المزحة الثقيلة، ماذا تقول وكيف ومن أين لك المهر وليس لديك وظيفة وكيف تفتح بيتا وكيف تدفع إيجار الشقة وكيف تدبر أمور الزواج من تأثيث بيت، وضيفة وما شابه ذلك، فقال كل شيء يتدبر وفعلا أوجد له وظيفة في جمعية تاروت الخيرية وشيئا فشيئا وفي فترة قصيرة حقق هدفه، وعندما كنا نرتب معه أثاث شقته في الديرة كنا نضحك ويضحك معنا لأننا كنا نظن أننا نحلم بينما يراه واقعا وفارق الضحكتين كبير جدا.

وقد تكرر ذات الموقف عندما أبدى رغبته بامتلاك منزل خاص به وملك له. وقد انعكست هذه الإرادة على قوة معنوياته العالية خلال محاربة مرضه الذي ابتلاه الله به لعدة سنوات فانتصر عليه. حتى أن طبيبه المشرف على علاجه انبهر من قوة معنوياته وتوكله على الله وإيمانه الذي ليس له نظير بمعتقده ببركة رسول الله وآله بيته الأطهار .

الحاج أبو رقية والشورى..

تميزت شخصية الحاج أبو رقية بمنسوب عالٍ من التعقل. وقد لمس القريب منه وعرف ذلك فيه حيث لم يكن متهورا في اتخاذ أي قرار يراه صحيحا، وكما أشرنا سابقا إنه مجازف وشجاع ويفاجئ من حوله بأفكار غريبة وشبه مستحيلة في وقتها ولكن عندما يريد أن يخطو خطوة واحدة تجده يقوم بعملية الاستفادة من تجارب الآخرين من خلال الذهاب إليهم وأخذ مشورتهم والتحديات التي مروا بها في هذه التجربة فيحاول من خلال تلك التجارب تخطي الصعوبات في كيفية فهمه وفي تجاوز تلك المراحل، وكان لا يكتفي باستشارة واحد أو اثنين أو ثلاثة بل يحاول توسيع دائرة خبرته بأكبر عدد من المستشارين وبعدها تجده يطلع بنتيجة قوية وراسخة، حيث استوعب أغلب جوانبها وحسب لها حسابا دقيقا.

أبو رقية كان شجاعا وكان وفيا لأصدقائه..

قد نجد أشخاصا عند تحولهم من مكان إلى آخر، أو من رأي إلى رأي آخر، يقطعون أواصر العلاقات الحميمية مع من يختلفون معهم حتى لو كانت بينهم سنوات عديدة من العيش المشترك والذكريات الجميلة. الحاج آدم لم يكن من هذا النموذج السيئ، خاصة مع أصدقاءه القدامى ممن اختلف واختلفوا معه في المنهج أو الرأي، فقد ظل محافظا على متانة وسخونة تلك العلاقات التي بنتها السنون بمختلف أجوائها وطقوسها وأحوالها الحلوة والمرة، فقد كان يستمع لهم ويستمعون له وكانوا يختلفون معه ويختلف معهم اختلافا كبيرا وتتباعد وجهات النظر معهم بعد المشرقين والمغربين، لكنه يختم للقائه معهم بمحبة وضحكة مميزة قد يعبر عنها ببصمته الاجتماعية.

والكلام حول هذا الرجل العظيم قد يطول ويطول. فقد جمعتنا معه ذكريات حفرتها الذاكرة الأبدية ونسأل الله أن نوفق في ذكرها للاستنارة بها، ولا عجب ممّا رأيناه من المجتمع من انفجار نفسي وحسرة لفراق ورحيل هذا الشاب المؤمن الرسالي الصبور، فقد وهب حياته لله ولرسوله وأهل البيت الأطهار صلوات الله عليهم أجمعين فوهبه الله محبته ومحبة رسوله وأهل بيت رسوله ومحبة الناس أجمعين. رحمك يا حاج أبو رقية وحشرك مع أسيادك الأطهار صلوات عليهم أجمعين والفاتحة المباركة على روحه الطاهرة.