آخر تحديث: 27 / 11 / 2020م - 2:04 ص

مرور 30 عاما على الغزو العراقي للكويت

نجيب الخنيزي

تمر علينا هذه الأيام ذكرى مرور 30 عاما على غزو النظام العراقي «السابق» الغاشم لدولة الكويت الشقيقة في 2 أغسطس 1990م، والذي أدى إلى إلحاق أفدح الأضرار من قتل وتدمير ونهب وتشريد لشعب أعزل ومسالم، وذلك تحت شعارات ودعاوى قومية زائفة، تخفي في طياتها نزعة قطرية محتواها الضم، الإلحاق والتوسع، ومد نطاق السيطرة على الثروات النفطية للجارة الصغيرة، وتهديد الأمن والاستقرار في المنطقة، بأمل الخروج من الاختناقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي واجهها النظام العراقي نتيجة مغامراته العسكرية وتبديد معظم الثروات على بناء آلة عسكرية وأمنية ضخمة، وذلك بهدف جعل العراق قوة إقليمية كبرى مرهوبة الجانب، ولو كان ذلك على حساب التنمية والتقدم الاقتصادي وقوت وكرامة وحرية المواطن العراقي.

أقدم النظام العراقي آنذاك للمرة الثانية خلال عشرة أعوام على إشعال فتيل الحرب، والدفع بالمنطقة إلى خطر ماحق، وتهديد مصالح شعوبها، وتعريض كيانها ووجودها ذاته لتحديات غير مسبوقة، وقد أدى هذا الغزو إلى توجيه ضربة قاصمة للنظام الإقليمي العربي، وكشف عن شلل وضعف الجامعة العربية وعجزها عن إيجاد حل سريع وعادل للأزمة ضمن الإطار العربي، الأمر الذي خلق المبررات للقوى الدولية بسرعة التحرك لملء الفراغ الناشئ تحت شعار احترام الشرعية الدولية وقراراتها والالتزام بالقانون الدولي وضرورة ردع العدوان.

ومن الواضح أن الأطراف الدولية الفاعلة والولايات المتحدة على وجه الخصوص قد تقاطعت مصالحها آنذاك مع مصالح الشعب الكويتي ودول الخليج العربية في ضرورة التصدي للغزو ودحر العدوان وعدم جواز مكافأة المعتدي، الأمر الذي أدى إلى إقامة التحالف الدولي الذي أخذ على عاتقه تحرير الكويت «15 يناير 1991» على يد قوات التحالف الدولي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية والتي تكللت بدحر وإجبار قوات النظام العراقي على الانسحاب واستعادة دولة الكويت لسيادتها واستقلالها الذي فقدته واستعادة شعبها لحريته من جديد.

عبر غزو النظام العراقي لدولة الكويت عن مدى التردي الذي وصلت إليه العلاقات العربية - العربية، وعجز النظام الإقليمي العربي عن تلبية متطلبات التعاون والتنمية والتكامل والأمن للأقطار العربية، الأمر الذي قوى ودفع باتجاه إحلال السياسات القطرية والتجمعات الإقليمية، كبديل عن العمل العربي المشترك، مما أفقد فعالية وصدقية الكثير من القرارات العربية المشتركة التي ظلت مجرد حبر على ورق، وبدلاً من الاحتماء بمظلة النظام الإقليمي العربي والجامعة العربية باعتبارها بيت العرب المشترك، أخذت الأقطار العربية تنسج علاقاتها الخارجية خصوصاً إزاء الدول الكبرى انطلاقا من حسابات «وطنية» ضيقة.

لم يؤد غزو العراق للكويت إلى تعميق الانقسام والتفكك الأفقي بين الأقطار العربية، فقط بل طال الانقسام ليصبح عامودياً شمل غالبية الشعوب العربية ونخبها وتياراتها السياسية والثقافية مما جعل المنطقة العربية أشد انكشافاً أمام القوى الخارجية أكثر من أي وقت مضى، إلى الدرجة التي تذكرنا بمرحلة الهيمنة الاستعمارية القديمة، ولم يقف الأمر عند حدود التدمير المادي المباشر الذي طال إمكانيات وموارد كل من العراق والكويت معاً فقط، بل إن معظم الدول الخليجية والعربية قد طالها أفدح الأضرار جراء الغزو.

وقد استنزفت أموال عربية إضافية عن طريق الإنفاق على المجهود الحربي، والقطاعات المساندة ودعم الموازنة العسكرية، وقد جاء ذلك على حساب خطط التنمية الاقتصادية والبشرية، كما حرمت العديد من الأقطار العربية من تحويلات العاملين المغتربين الذين اضطروا للعودة إلى بلدانهم.

وطال الضرر في الصميم القضايا العربية المركزية، مثل قضية الوحدة والتضامن القومي، التنمية المستدامة، الديمقراطية والتعددية، والقضية الفلسطينية التي انزوت وهمشت، وذلك نتيجة انجرار القيادة الرسمية لمنظمة التحرير الفلسطينية في تأييد السياسات العدوانية للنظام العراقي السابق الأمر الذي أفقدها مصداقيتها لدى بلدان وشعوب المنطقة وحرمها من الدعم والمساندة المتعددة والهامة التي كانت تتلقاها في السابق.

استمرار أزمة الخليج الثانية وإفرازاتها في ظل استمرار تهديدات واستفزازات النظام العراقي السابق لدول المنطقة، وفرض حالة الحصار والمقاطعة الدولية، وسياسة الاحتواء المزدوج «الأمريكية» عليه، يؤكد من جديد الحاجة إلى إعادة النظر في الصيغ والأطر الرسمية للعمل العربي المشترك، ومحاصرة الاتجاهات السلبية والخطيرة التي تكتنفه، وتطوير أدوات التواصل والحوار والتفاهم والتضامن العربي إزاء القضايا العربية المشتركة على قاعدة الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، ونبذ اللجوء إلى التهديد واستخدام القوة لفض الخلافات والمنازعات، وتوفير جو من الأمن الشامل للجميع، وتشجيع الحلول العقلانية ومنع الآخرين «القوى الكبرى» من استثمار وتوظيف الأزمة من أجل تحقيق مصالحهم الخاصة غير المشروعة.

وفي الواقع فإن أزمة الخليج لم تكن السبب الحقيقي لانهيار النظام العربي بقدر ما كانت نتيجة وثمرة لاهتزازه وإخفاقه وتفككه.

النظام الإقليمي العربي المنشود إطار تحدده التوازنات والحاجات والمصالح الموضوعية المشتركة، فليس الخطأ يكمن في تأكيد عنصر المصالح سواء فيما يتعلق بالبلدان العربية أو الأجنبية على حد سواء ولكن ما يثير الريبة والشكوك بحقيقة نوايا هذا الطرف أو ذاك هو محاولة إخفاء المصالح الفعلية التي تكمن وراء ممارساته وسياساته تحت غطاء من الكلام الطنان والمكرور عن المبادئ والأخلاق والشرعية الدولية ومبادئ القومية والوحدة.. إلخ.

فالمهم هو معرفة مشروعية هذه المصلحة ومشروعية وسائل تحقيقها ومراعاة مصالح الأطراف الأخرى في الوقت نفسه.

أزمة الخليج الثانية وتداعياتها وأبعادها السياسية والأمنية والاقتصادية والثقافية والنفسية أثرت بعمق في مجمل الوضع العربي الذي يعاني من اختلالات بنيوية حادة بالارتباط مع دور وموقع المنطقة في إطار المصالح الإستراتيجية للقوى المتنفذة في العالم.

وتبرز مسألة أخرى على جانب كبير من الخطورة وهي مسألة الديمقراطية التعددية واحترام حقوق الإنسان.

فالنظام العراقي لم يكن في استطاعته أن ينتهج سياسة المغامرة والعدوان والغزو والاستهانة بأرواح وسلامة وأمن شعبه وأمن شعوب المنطقة لو كان يستند إلى الشرعية وإلى مؤسسات تمتلك حق المناقشة والمراقبة والمساءلة والمحاسبة، فمفاهيم الأمن والتنمية والسلام مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بقضايا الحرية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والشعوب.

الدول الخليجية تواجه اليوم مخاطر غير مسبوقة في بيئة محيطة محبطة ومضطربة تسودها التناقضات والحروب الدخلية والعنف والإرهاب، وإزاء مجمل التحديات الداخلية والإقليمية والدولية التي تواجهها، أمامها مهام جسيمة تتمثل في العمل على تجاوز مكامن الخلل والضعف والإنقسام الذي يكتنف العمل الخليجي الموحد في إطار مجلس التعاون، وتحصين جبهتها الداخلية سياسياً واقتصادياً وأمنياً، وزيادة التلاحم والانفتاح فيما بينها وبين شعوبها، من خلال إتاحة المجال لتشكيل مؤسسات المجتمع المدني وإقرار التعددية والمشاركة الشعبية في صنع القرار، والعمل على صياغة مفهوم جديد للأمن والتعاون الخليجي يستفيد من تجارب ودروس المرحلة السابقة.

كما يتطلب إعطاء قضايا الأمن والتعاون العربي مضمونا وإطارا جديدا يتجاوز الأطر والصيغ القديمة التي أثبتت الحياة فشلها وعدم قدرتها على مواكبة التطورات والتحديات الإقليمية والدولية.