آخر تحديث: 24 / 10 / 2020م - 1:20 م

تشويش

محمد أحمد التاروتي *

يتخذ البعض المفردات الفضاضة والعاطفية غطاء لممارسة التشويش وحرف الحقائق، بهدف استقطاب شريحة اجتماعية ذات نفوذ كبير، خصوصا وان وجود اختلافات فكرية وعقدية تشجع على انتهاج ”التشويش“ في جميع الأوقات، حيث تعج وسائل التواصل الاجتماعي بالكثير من عمليات ”الخربشة“ والمشاغبة، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَ?ذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ.

هذه الشريحة لا تترك مناسبة ”سعيدة“ او ”حزينة“، دون ممارسة لعبة ”التشويش“ بطرق مختلفة، فتارة عبر الدفاع عن اللحمة الوطنية، وأخرى عن طريق ”الدفاع عن الثقافة الاجتماعية“ وثالثة لممارسة الوصاية على الاخرين، خصوصا وان هذه الفئة تستهدف اثارة العواطف ومحاولة تسجيل نقاط، لرفع الأسهم الذاتية على حساب الاخرين، وبالتالي فانها ليست معنية بالاثار التدميرية المترتبة، على عمليات ”التشويش“ الانفعالية او المنهجية، فهي تنظر للمكاسب الانية بالدرجة الأولى.

عملية التشويش تمارس على جبهات مختلفة، بحيث تستخدم فيها مختلف الأسلحة الإعلامية احيانا وأحيانا أخرى بواسطة استخدام الضغوط الاجتماعية، خصوصا وان التخطيط للسيطرة على الساحة يتطلب استخدام جميع الأدوات المتاحة، لاسيما وان الشعور بالقدرة على التحرك بحرية مطلقة، يشكل احد الأسباب وراء التمادي في ابتكار أساليب ”التشويش“، بحيث لا يقتصر على نوعية من الممارسات المؤقتة، او محاولة استخدام الطرق المشروعة، في التعبير عن الرأي.

احتكار الحقيقة، يمثل احد الأسباب وراء انتهاج سياسة ”التشويش“، في البيئة الاجتماعية، مما يحفز على قطع الطريق امام مختلف أنواع الممارسات المشروعة للأطراف الأخرى، انطلاقا من المخاوف غير المبررة لترك الساحة للمنافس، نظرا للاعتقاد الجازم بفساد المرتكزات الفكرية لتلك الأطراف، مما يفرض انتهاج ”التشويش“، ومحاولة رسم خطط لمواجهة مختلف أنواع التحركات الأخرى، حيث يتمثل في الكثير من المواقف الثقافية، فتارة تكون بواسطة الحرب المكشوفة والعلنية وتارة أخرى تكون عبر شن الحروب بالوكالة، او بطريقة غير مباشرة، خصوصا وان الظروف السياسية تلعب دورا أساسيا، في تحديد الأسلوب المناسب لممارسة لعبة ”التشويش“، على الأطراف المنافسة.

اللجوء الى التشويش يعكس ”العجز“، وعدم القدرة على المواجهة بطريقة مباشرة، مما يدفع لمحاولة استقطاب الرأي الاجتماعي، لممارسة الضغوط على الأطراف المستهدفة، فالشعور بعدم القدرة على المواجهة الشاملة او تحقيق الانتصار، يسهم في انتهاج سياسة ”الخربشة“، كمحاولة لتعطيل حركة المنافس في البيئة الاجتماعية، انطلاقا من قاعدة ”الخرطوش اللي ما يصيب يدوش“، وبالتالي فان الغرض من التشويش أحيانا يمثل حالة من الانكسار والضعف، وأحيانا أخرى يعكس الاستحواذ على الساحة، والعمل على تحريك الرأي العام الداخلي، مما يدفع لممارسة مختلف أنواع الحروب النفسية والاجتماعية، لدفع الاطرف الأخرى على الانسحاب من المنافسة، ورفع الراية البيضاء.

سلاح ”التشويش“ من الأسلحة المستخدمة في الحروب الإعلامية والنفسية، في كافة المعارك ”الوجودية“، فالخوف من التعرض للخسارة الكبيرة يدفع لايجاد طرق متعددة، للبقاء في حلبة الصراع لاطول فترة ممكنة، نظرا للقناعة الراسخة بامتلاك الأطراف الأخرى للكثير من الأدوات القادرة، على الصمود في معركة البقاء في الساحة، وبالتالي فان ”التشويش“ احدى الأسلحة، لاثارة بعض الشكوك في مصداقية الأطراف المناسبة، مما يحرك الطرف ”الأضعف“ على اثارة العواطف الاجتماعية، واحداث حالة من العداء والشحناء مع البيئة الاجتماعية.

التعويل على ”التشويش“ في تحقيق الانتصار، واجبار الأطراف الأخرى على ترك الساحة، يكون نافعا في مواطن محددة، ولكنه ليس مجديا في أماكن أخرى، فالعملية مرتبطة بطبيعة الصراع، ونوعية المنافسة، وكذلك طبيعة المنافس، مما يستدعي وضع هذه الاعتبارات في الحسبان، فالتغافل عن دراسة هذه الظروف يضع أصحاب سياسة ”التشويش“ في موقف صعب للغاية، نظرا لعدم القدرة على توظيف هذا السلاح ”غير الأخلاقي“، لخدمة الأغراض غير المشروعة.

كاتب صحفي