آخر تحديث: 28 / 10 / 2020م - 5:12 م

الفساد

محمد أحمد التاروتي *

الفساد بمختلف اشكاله بمثابة خلية سرطانية، حيث تشكل خطورة كبرى على جسد المجتمع، مما يستدعي العمل الجاد لاجتثاثها قبل استفحال امرها، فالتراخي عن إيجاد الامصال القادرة على القضاء على ”خلية الفساد“، يمهد الطريق نحو توسعها في مختلف الجوانب الحياتية، خصوصا وان انتشار ثقافة الفساد في البيئة الاجتماعية، يشكل خطوة كبرى على المسيرة التنموية، فاذا دخل الفساد في الممارسات اليومية لدى المفاصل المهمة في المجتمع، يكون الخراب المادي والمعنوي النتيجة المحسومة، نظرا لسيطرة ثقافة ”المصلحة الشخصية“ والتحرك في جميع الاتجاهات لاقتطاع اكبر جزء من الكعكة، وبالتالي مواصلة عملية نخر البيت من الداخل، الامر الذي يقود في نهاية المطاف لسقوط الجميع في مستنقع يصعب السيطرة عليه.

تنامي الفساد مرتبط بالممارسات الاجتماعية في الكثير من الأحيان، ”لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولى عليكم شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم“، ”مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، قبل أن تدعوا فلا أجيب لكم، وتسألوني فلا أعطيكم، وتستنصروني فلا أنصركم“، وبالتالي فان العملية ليست مرتبطة بالسلوك الفردي بقدر ما تعكس ثقافة اجتماعية سائدة، فهناك العديد من الممارسات الاجتماعية تحفز على استمراء الاستيلاء على حقوق الاخرين، فتارة تكون عبر وضع اليد على الحقوق بصورة مباشرة وتارة اخرى عن طريق الاختلاس وسرقة المال العام بطريقة خفية، مما يمثل في النهاية الاستيلاء على الحقوق دون وجه حق.

وجود بيئة حاضنة للفساد عنصر أساسي في ارتفاع منسوب النهب والسرقة، خصوصا وان البعض يمارس هذه ”العملية“ دون خوف او خشية، نظرا لوجود اطراف مستفيدة من استمرار هذه النوعية من الممارسات، الامر الذي يساعد في تكريسها في وجدان بعض الجهات المستفيدة، بمعنى اخر، فان الدعوات لمكافحة الفساد تواجه في الغالب بمقاومة عنيفة، من لدن جهات تتوقف مصالحها مع استمرارية عمليات النهب والاستيلاء على المال العام، مما يدفعها للتحرك في جميع الاتجاهات لعرقلة كافة المحاولات الساعية لتصحيح المسار، وإعادة الأمور للنصاب السليم.

إيقاف عمليات النهب والفساد يبدأ من وضع برامج على عدة مسارات، حيث تمثل السلطة الحاكمة العمود الفقري في مشوار مكافحة هذه الظاهرة، فالمال السائب يشجع على السرقة، الامر الذي يفرض وجود طرف يمتلك جميع الصلاحيات، والإمكانيات للتحرك في جميع الاتجاهات، بهدف إيقاف نزيف التدمير المنظم الذي تمارسه ”مافيا الفساد“ في المجتمع، خصوصا وان فريق الفساد يحاول ابرام تحالفات عديدة مع الأطراف المختلفة، من اجل الحصول على الضوء الأخضر وتوفير الحماية اللازمة لتفادي الملاحقة القانونية، وبالتالي فان وجود إرادة صلبة لدى السلطة الحاكمة في تدمير أسس الفساد، يسهم في تحريك الأمور في الاتجاه الطبيعي، مما يمهد الطريق لقطع الايدي عن مواصلة عمليات النهب والسلب.

الأطراف الفاسدة تشكل خطورة كبرى على الكيانات الاجتماعية، فهي تحاول القفز من المركب عند الشعور بالخطر والتعرض للغرق، حيث تحاول الهرب في اول فرصة ممكنة، فهي تحاول الاحتفاظ بالاموال المسروقة والاستمتاع بها بطرق مختلفة، وكذلك ترى نفسها غير معنية بالاخطار الكبيرة التي تواجه المجتمع، وبالتالي فانها تتحرك في الغالب بطريقة انتهازية في جميع الأوقات، خصوصا وانها تشعر بخطورة الاستمرار في الأوضاع غير المستقرة، الامر الذي يفسر هروب الكثير من اباطرة الفساد من بلدانهم في الأوقات الصعبة.

الاثار التدميرية لعمليات الفساد يصعب تصورها، فهي غير مقتصرة على جانب دون اخر، فالكثير من البلدان تواجه مصاعب كبيرة تهدد وجودها نتيجة تنامي ”مافيا الفساد“، بحيث تظهر على شكل قصور واضح في مجالات التنمية، وتلاعب في المشاريع الإنمائية، فضلا عن تعريض البلاد للضياع، خصوصا وان انتشار الفساد في مختلف الطبقات يدفع المجتمعات نحو الهاوية، بحيث تنعكس على طبيعة العلاقات الاجتماعية القائمة، نظرا لسيطرة ”المصلحة“ على الثقافة اليومية، وبالتالي فان محاولات اجراء الإصلاحات للقضاء على ثقافة الفساد، تتطلب اجراء عمليات جراحية جذرية لنوعية المفردات الحاكمة في البيئة الاجتماعية، بهدف خلق ثقافة جديدة قادرة على احداث تحولات جذرية في النظرة تجاه ممارسات النهب والفساد.

كاتب صحفي