آخر تحديث: 28 / 10 / 2020م - 6:09 م

المكابرة

محمد أحمد التاروتي *

المكابرة وسيلة لتغطية ”سواد العين“، فالاعتراف بالخطأ لدى البعض ليس واردا على الاطلاق، حيث ينظر الى الإقرار بالخطيئة ”ضعفا“ وليس ”فضيلة“، مما يجعله يواصل مشوار ”العناد“ والسير بعكس التيار الاجتماعي، ”شين وقوي عين“.

الإصرار على الخطأ تكون اثاره ”محدودة“، ضمن الاطار الضيق في بعض الاحيان، مما يسهم في منع انتشاره بطريقة سريعة في الوجدان الاجتماعي، خصوصا وان البعض لا يمتلك القدرة على التأثير في البيئة الاجتماعية، مما يجعل ”الأخطاء“ ضمن الدائرة الضيقة، وغير قادرة على تجاوز الحدود المرسومة، نظرا لوجود موانع اجتماعية، وثقافة قادرة على ممارسة الضغط، على هذه النوعية من الممارسات الخاطئة، وبالتالي فان المخاوف من احداث اختراقات حقيقية في الثقافة المجتمعية محدودة للغاية، الامر الذي يقلل من هول المصاب على البيئة الاجتماعية.

المشكلة تكمن في تقمص دور ”الفضيلة“، ومحاولة تجميل بعض الأخطاء الكارثية، كنوع من الاعمال المشروعة، بهدف احداث تحولات جذرية في مفاهيم الفضيلة، والقيم الإخلاقية، الامر الذي يشكل خطورة كبرى على مستقبل المجتمع، خصوصا وان انقلاب المفاهيم يحدث حالة من الضياع الثقافي والفكري، مما يمهد لحالة من الانتكاسة الاجتماعية، في مختلف المجالات الحياتية.

محاولة قلب المفاهيم الأخلاقية، ومحاولة انتهاج سياسة ”اذا عمت طابت“، تمثل الخيار الأكثر قدرة على الخروج من مأزق ”العزلة الاجتماعية“، خصوصا وان المرتكزات القيمية لدى المجتمع، تدفع باتجاه مقاومة مختلف اشكال الانحرافات الأخلاقية، مما يدفع أصحاب فريق ”المكابرة“ لاتخاذ مبدأ ”افضل وسيلة للدفاع الهجوم“، وبالتالي فان هذه الفئة تتحرك لاتخاذ وسيلة الهجوم في جميع الأوقات، من خلال قلب الكثير من المفاهيم الثابتة، ومحاولة التشكيك في مصداقيتها، ومدى قدرتها على ملائمة التطور الفكري، مما يستدعي التحرك باتجاهات أخرى، لمواكبة المستجدات على ارض الواقع.

الاستناد على منطق الحقائق على ارض الواقع، ”الاعتراف بالواقع“، يمثل السلاح الأكثر قدرة على الاقناع، ومواصلة المكابرة، فهذا الفريق يراهن على قراءة الواقع، والتحرك بمنطق المصالح الانية، مما يدفعه لانتهاج كافة الوسائل المتاحة، لمواصلة مشوار ”تحطيم القيم الأخلاقية“، خصوصا وانه يرفض الاعتراف بالخطأ، ويعمد لاختراع ”مفاهيم“ جديدة، للترويج لمجموعة الممارسات الخاطئة، بمعنى اخر، فان الحديث عن مواكبة التطور ليس مدعاة للتنازل عن القيم الأخلاقية، فهذه المغالطات ليست قادرة على الصمود في وجه الحقائق التاريخية، فالقيم قادرة على التعامل مع مختلف التحولات التاريخية، ومعالجة جميع الأخطاء البشرية، وبالتالي فان الدعوة للتخلي عن القيم الأخلاقية، تحمل خلفها أغراض ليست نبيلة على الاطلاق، فهي تهدف للتغاضي عن الأخطاء الجسيمة، واصدار ”صك“ البراءة، ومحاولة اتخاذ مبدأ ”عفا الله ما سلف“.

التمسك بالقيم الأخلاقية، وتجاهل كافة الدعوات الساعية، للرضوخ لمنطق ”الواقع“، عوامل أساسية في قطع ”دابر“ المكابرة على الأخطاء، خصوصا وان المرتكزات الأخلاقية تحث على الفضيلة، ونبذ مختلف اشكال الرذيلة، مما يستدعي التحرك وفق منطق الفضيلة، ورفض مغريات الرذيلة، التي يحاول فريق ”المكابرة“ جعلها في مصاف ”الفضيلة“، من خلال استخدام الكثير من العبارات، وتسخير جميع الإمكانيات، للسيطرة على العقل الجمعي، خصوصا وان الثقافة الاجتماعية السائدة غير قادرة على استيعاب التلاعب الكبير بالمفاهيم القيمية، نظرا للخطورة الكامنة وراء سياسة ”قلب الحقائق“، سواء بالنسبة للتماسك الاجتماعي، وكذلك على مجموعة الفضائل الداعمة للممارسات الحياتية، على صعيد العلاقات الخارجية.

بكلمة المكابرة سلاح ”الضعيف“، وأسلوب المهزوم أخلاقيا، فالاصرار ينم عن حالة من القلق، وعدم القدرة على المواجهة، ومصالحة الذات، الامر الذي يدفع لاتخاذ المكابرة في سبيل الانتصار للباطل، خصوصا وان العناد لا يقود للاقناع لدى الاخر، بقدر ما يكشف الصراع الداخلي، بين منطق الضمير الحي، والنفس الامارة بالسوء.

كاتب صحفي