آخر تحديث: 28 / 10 / 2020م - 4:32 م

فتح كربلاء ”8“

محمد أحمد التاروتي *

انتصار الدم على السيف مصداق عملي في النهضة الحسينية، حيث استطاعت الدماء الزكية التي اريقت على ارض الطفوف، زعزعة اركان الدولة الاموية، الامر الذي تمثل في ذهاب يزيد بن معاوية الى مزبلة التاريخ.

المعركة التي انتهت فصولها مع غروب اليوم العاشر من محرم، بقيت تغلي في دماء أصحاب الضمائر الحية، ”إِنَّ لِقَتْلِ الْحُسَيْنِ «علىه السلام» حَرَارَةً فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَبْرُدُ أَبَداً“، فهذه الدماء الطاهرة احالت نهار الدولة الاموية الى ليل حالك الظلام، خصوصا وان المعركة غير المتكافئة، سجلت خروجا عن جميع الأعراف الحربية، بالإضافة لتجاوز كافة التقاليد العربية، فضلا عن ضرب كافة القيم الإسلامية، بحيث تجلت في الإصرار على قتل الصغير، والكبير، دون رحمة او وزارع ديني ”إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد فكونوا احراراً في دنياكم“.

قدرة الدماء على تحريك الضمائر الحية، عملية لم تعد ضربا من الخيال او من أحلام اليقظة، فالجميع بات يدرك الاستقطاب الكبير الذي تحظى به، الثورة الحسينية لدى المجتمعات المقهورة، او المغلوب على امرها، فهذه المجتمعات تحاول الاستهام من معاني معركة كربلاء الخالدة، الكثير من الدروس لانارة الطريق، وكذلك من اجل تحطيم القيود المعنوية، والانطلاق في سماء الحرية، واتخاذ القرارات الصعبة، والعمل على تحقيق الامال، بهدف وضع الأمور في النصاب السليم، خصوصا وان الاستسلام يكشف العجز الكبير، واستمرارية العيش في المهانة، وفقدان الكرامة ”ألا وإنّ الدعي بن الدعي يعني ابن زياد قدْ ركز بين اثنتين، بين السلة والذلّة، وهيهات منّا الذلّة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وحُجور طابت وحجور طهرت، وأُنوف حمية، ونفوس أبية، من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام، ألا وإنّي زاحف بهذه الأسرة على قلّة العدد وخذلان الناصر“.

مواجهة الظلم، وعدم السكوت على الضيم، للانتصار للحق، يشكل احدى الأهداف الواضحة في النهضة الحسينية، خصوصا وان عملية شراء صوت الحق مقابل السكوت على الاستبداد، تجلت بمختلف صورها في واقعة الطف ”أولا تنزل على حكم بني عمك فإنهم لن يروك إلا ما تحب“، بيد ان الثمن الباهض للسكوت على الظلم، يدفع لركوب الصعاب، والوقوف امام تلك الاغراءات الدنيوية، بهدف رسم مسار واضح للإنسانية، والمجتمعات المقهورة، لانتزاع الحقوق المسلوبة، وعدم الركون الى الراحة في سبيل الكرامة، والعيش بعزة وشموخ، لاسيما وان السكوت يجلب معه الكثير من التداعيات، على الصعيد الشخصي والاجتماعي في الوقت نفسه، فالعملية ليست مقصورة على ”حفظ النفس“ وانما تشمل سلب البيئة الاجتماعية حقوقها الإنسانية، والدخول في متاهة الضياع، وعدم الاستقرار، جراء الممارسات المترتبة على انتهاج طريق السكوت، عن رفع الصوت في وجه الظلم.

النهضة الحسينية اصبحت مشعل امل للمجتمعات الإنسانية، خصوصا وانها وضعت المسارات الواضحة في طريقة الانتصار للحق، التضحية بالدماء تمثل احدى الوسائل الكفيلة بالوصول الى الأهداف النبيلة، مما يحفز على اتخاذ طريق ”ذات الشوكة“، لمواجهة الظلم الاجتماعي بمختلف اشكاله ”لا تستوحشوا طريق الحقّ لقلة سالكيه“، وبالتالي فان التحرك الجاد لإزالة الاشواك من الطريق، عملية تستدعي الكثير من الصبر، والمزيد من التضحية، فهناك الكثير من العراقيل والعديد من الصعاب، مما يستدعي توطين الذات على تحمل الصعاب وعدم الاستسلام، فالحسين وقف في وجه الجيش الجرار في يوم عاشوراء ليقول ”والله، لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقرّ إقرار العبيد“، بحيث وضع دمائه وأرواح أنصاره فداء للانتصار للدين، ورفض مسار الخلافة الإسلامية، ”على الإسلام السلام، إذ قد بليت الأمة براع مثل يزيد“.

نافذة الامل التي فتحتها النهضة الحسينية، ما تزال مشرعة للمجتمعات البشرية، فهذه القضية قادرة على احتضان الانسان المظلوم، بغرض الانتصار على الضعف الداخلي، والتحرك باتجاه انتزاع الحقوق، بما يحقق الكرامة الذاتية، والعيش الكريم، فالصرخة التي اطلقها سيد الشهداء، في صحراء كربلاء في وجه الظلم والاستبداد، ما تزال تردد أصداؤها في مختلف ارجاء الدنيا، وبالتالي فان ”فتح كربلاء“ يتمثل في الامل الكبير.

وقال الامام الحسين في رساله الى نبي هاشم " اما بعد فان من لحق بي استشهد، ومن لم يلحق بي لم يدرك الفتح".

كاتب صحفي