آخر تحديث: 29 / 9 / 2020م - 12:31 ص  بتوقيت مكة المكرمة

منتدى الثلاثاء الثقافي: حراك ثقافي فاعل

محمد الحرز * صحيفة اليوم

العمل الثقافي الموجه إلى جميع فئات المجتمع، وفق منظور مؤسساتي أهلي، مدعوم بجهود شخصية أو ذاتية، لا يحركها سوى دافع الحب والرغبة في حراك ثقافي فاعل، هو بناء تراكمي متواصل في أفق الزمن، نتائج حراكه لا تظهر على سلوك المجتمع وعلاقاته بين ليلة وضحاها، بل يمتد دون توقف.

لذلك العمل شاق في حد ذاته، ويحتاج إلى صبر وجلد على تحمل كل تبعاته، والتي أيسرها وأهونها الإيمان بفكرة العمل الثقافي والبدء في التأسيس له.

وأصعبها الاستمرار، وتخطي جل العقبات التي تواجه كل عمل ثقافي من قبيل سرعة تبدل المناخات الثقافية وتقلب بوصلتها، وخضوع أمزجة العلاقات الاجتماعية للظروف الاقتصادية والبيئية، وقلة الدعمين المادي والمعنوي. وما دام الإصرار على تحقيق النجاح من خلال الاستمرار في هذا البناء هو الهدف المنشود، وما دامت الرؤية واضحة، والوعي بدور هذا البناء من أجل المساهمة الفاعلة في خلق ثقافة تفاعلية وتواصلية بين مختلف شرائح المجتمع السعودي وفق مرجعياتهم الفكرية والاجتماعية والدينية والمناطقية، هو المتحقق على أرض الواقع، فهذا يعني بلا مواربة أو تحفظ، تجربة ثقافية مؤسساتية تخطت حدود النجاح إلى الإبهار، وهذا هو ما عليه «منتدى الثلاثاء الثقافي» الذي تأسس رسميا في محافظة القطيف عام 2000م تحت إشراف راعيه الأستاذ جعفر الشايب.

وأقول رسميا، لأن نشاطه كان سابقا لهذا التاريخ، ففي فترة التسعينيات، كانت له أنشطة متنوعة، وإن كانت لم تتبلور في إطار مؤسساتي ممنهج.

ينبغي الالتفات إلى «منتدى الثلاثاء الثقافي» بوصفه تجربة رائدة في العمل الثقافي، ليس على مستوى المملكة فقط، وإنما على مستوى الخليج العربي، كغيره من المنتديات الثقافية التي ذاع صيتها، واشتهر حراكها الثقافي منذ الثمانينيات كمؤسسة سلطان العويس التي ساهمت بشكل فاعل في نقل الثقافة في الإمارات إلى مستوى من العطاء غير مسبوق، مثلها أيضا جهود جمعة الماجد - الذي أسس مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث - في إحياء الثقافة العربية الإسلامية.

ولا يمكن إغفال مؤسسة البابطين في الكويت التي ساهمت مساهمة فاعلة في إبراز الأدب العربي وتراثه ومواهب أبنائه للعالم أجمع من خلال دوراته التي تختار عواصم عالمية في إقامتها، ومن خلال استضافة كبار الشخصيات الأدبية عالميا، وترجمة أنشطتها إلى أغلب اللغات العالمية.

وعلى المستوى العربي - على سبيل المثال - مؤسسة عبدالحميد شومان بالأردن، ونشاطها يمتد منذ السبعينيات، ولا يزال عطاؤها مستمرا ومتألقا، وهي رافد حقيقي للمؤسسات الثقافية الرسمية بالأردن.

أما على مستوى المملكة، فهناك منتدى الإثنينية الثقافي الأدبي الذي تأسس في الثمانينيات على يد الأديب عبدالمقصود خوجة في مدينة جدة، والذي ساهم في تكريم شخصيات أدبية وفكرية فاعلة على مستوى المملكة والعالم العربي.

أيضا مركز حمد الجاسر الثقافي بالرياض الذي أنشئ بموافقة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان عندما كان أميرا على الرياض دعما لحفظ تراث العلامة حمد الجاسر ومساهمة منه في دعم جهود الباحثين والدارسين لتراث الجزيرة العربية.

إن هذه العينات التي مثلنا بها هنا، من العمل الثقافي للمؤسسات الأهلية، رغم التفاوت في الدعم المادي والمعنوي والإعلامي المتوفر للبعض منها دون الآخر، أو التفاوت فيما بينها على مستوى الظروف الاجتماعية والثقافية والجغرافية أو التاريخية، إلا أن مخرجاتها في العمل الثقافي تعتمد بالأساس على الأثر الذي تتركه في مجتمعها ثقافيا وفكريا وأدبيا، وذلك بما يفضي إلى ترسيخ نوع من العلاقات المتينة بين أفراد المجتمع، قائمة على الحوار والتواصل والتفاهم والمصلحة المشتركة التي تعزز الانتماء لثقافة الوطن.