آخر تحديث: 24 / 10 / 2020م - 1:20 م

نعيب زماننا

محمد أحمد التاروتي *

استخدام الزمان ”مطية“ لتبرير الممارسات الشاذة، عملية شائعة لدى بعض الفئات الاجتماعية، فعوضا من الاعتراف بالخطأ ”الاعتراف الخطأ فضيلة“، فانه يتخذ مسلك المكابرة والعناد لمواصلة الطريق المعوجة، حيث يتخذ التحولات السريعة ومواكبة المرحلة، مبررا للانخراط في الجادة الخاطئة، انطلاقا من قناعات خاصة تقوم على ”اذا ما طاعك الزمن طيعه“، وبالتالي فانه يتحرك من اقصى اليمين الى اقصى الشمال بين ليلة واخرى، نظرا لوجود مغريات للاقدام على تلك الممارسات تارة، والخشية من فقدان بعض المكاسب الاجتماعية تارة اخرى.

التحولات الفكرية والمرونة في التعامل مع المتغيرات الاجتماعية، عملية مطلوبة في بعض الاحيان، خصوصا وان الصنمية وعدم الاستجابة للانقلابات الاجتماعية الكبرى، تعطي نتائج سلبية في الكثير من الاحيان، مما يستدعي القراءة السريعة للواقع الاجتماعي، بهدف ايجاد المخارج ومحاولة التأقلم السريع مع التحركات الاجتماعية، نظرا للتداعيات المترتبة على الجمود في الموقع ”مكانك سرك“، بيد ان الاستجابة للتحولات الاجتماعية ليست مبررا، للقفز على الثوابت والقناعات الاجتماعية السائدة، فهناك العديد من القناعات الاجتماعية ليست خاضعة للمزايدات، والمناكفات على اختلافها، باعتبارها قواعد راسخة في التفكير الجمعي، وبالتالي فان محاولة التلاعب بتلك القواعد، يعرض البيئة الاجتماعية للكثير من المخاطر، وكذلك يهدد التركيبة الثقافية السائدة منذ فترة طويلة.

التعامل مع الظرف الزماني بطريقة ذكية، يكشف نوعية التفكير ويعطي انطباعات ايجابية لدى الاطراف الاخرى، فالحذر مطلوب على الدوام وعدم الانسياق وراء ”الشعارات“، التي تروج بين فترة واخرى، خصوصا وان الثوابت ليست مطروحة للمزايدة على الاطلاق، باعتبارها من الركائز الاساسية في التفكير الاجتماعي، وبالتالي فان محاولات هدم الثوابت يؤسس لضياع الهوية الثقافية لدى المجتمع، مما يجعله غير قادر على الصمود في وجه التيارات الثقافية الاخرى، خصوصا وان الحفاظ على الثوابت عنصر اساسي لمواجهة عوامل ”الاندثار“، بمعنى اخر، فان التعاطي بوعي كامل مع التحولات الزمانية، يؤسس لمرحلة انتقالية لمواجهة الضغوط الخارجية، لاسيما وان التحولات الكبرى تدفع باتجاه التنازل عن الكثير من القناعات الاجتماعية، بيد ان وجود اصرار على التمسك بتلك الثوابت، يحول دون الذوبان في الاخر.

المبررات المتعلقة بالتنازل عن الثوابت، ليست قادرة على احداث اختراقات حقيقية، في التفكير الجمعي، خصوصا وان ”دفن الرؤوس في الرمال“ ليس حلا لمواجهة المشاكل، او طريقة لمعالجة الضغوطات الكبرى، فالعملية بحاجة الى الكثير من التفكير الجاد، وعدم الاستسلام للواقع الراهن، لاسيما وان التحولات بمختلف اشكالها ليست دائمة باعتبارها فترة مؤقتة، مما يستدعي التعامل معها بطريقة ”استثنائية“، عبر وضع الاليات المناسبة، للاستفادة منها بشكل ايجابي عوضا من حرق جميع الاوراق، وبالتالي فان العملية مرهونة بطريقة التفكير تجاه هذه المشاكل والحرص على التمسك بالثوابت والقناعات الاجتماعية، نظرا لوجود عناصر كثيرة قادرة على وضع الامور في المسارات السليمة، لاسيما وان الشلل الفكري يحدث خللا كبيرا، في ايجاد السبل الكفيلة، للوقوف امام الضغوط الخارجية.

المتغيرات المتسارعة على الصعيد الاجتماعي، ليست مبررا على التسليم الكامل لمسايرتها على الدوام، فهناك الكثير من المتغيرات ليست قادرة على معالجة القضايا الكبرى، مما يجعلها عنصر تعطيل اكثر منها عامل بناء على المدى القصير، واحيانا على الامد الطويل، فالنظرة الاولى للمتغيرات ليست قادرة على اعطاء الرؤية الواضحة، نظرا لوجود بعض الزوايا المظلمة في بعض التحولات المتسارعة، مما يستدعي مزيد من البحث والتدقيق لتسليط الضوء عليها، ومحاولة الوصول اليها، والعمل على ايجاد المعالجات المناسبة، وبالتالي فان المتغيرات السريعة ليس دليلا على صحتها من جانب، وليست دعوة مفتوحة لمسايرتها بشكل طوعي من جانب اخر، فالعملية مرهونة بالاليات المناسبة للتعاطي معها، بطريقة مناسبة بعيدا عن الاستسلام، ومحاولة تبرير الانسياق الكامل بطرق مختلفة.

يبقى عامل الزمن عنصرا واحدا من العناصر المتعددة في عملية التحولات الكبرى، فهناك العديد من العوامل الاخرى التي تتطلب العمل للوصول الى حقيقتها، وبالتالي فان استخدام الزمن ”مطية“ للتنازل عن الثوابت، بمثابة الهروب للامام، وليس دلالة على امكانية التأقلم السريع، او تطويع الزمن بطريقة ذكية.

كاتب صحفي