آخر تحديث: 24 / 10 / 2020م - 3:39 م

حكايا السكن الجامعي

حسن المصطفى * صحيفة الرياض

الذكريات تتناسل، كما هي السماوات التي كلما رمقتها متأملاً، وجدت بصرك يذهب بعيداً، كذلك هي الأيام الخوالي، صناديق تفتح، تلد الواحدة قوافل من الأحاجي المغلقة بإحكام، على حكايا لم تشرق شمسها بعد، ولم تلامسها لزوجة الهواء.

الحديث لم يكتمل في مقالِ الأسبوع المنصرم، وإن كنت رميت بوردة في بركة من حكايا الجامعة، تلك التي أسست لمراحل تالية في حياة الكثير منا.

كان ابن عمي د. وجيه المصطفى، منذ سنوات طويلة، هو ورفيقة دربه ”أم وائل“، في العاصمة الرياض، أستاذاً في كلية ”الزراعة“ بجامعة الملك سعود. مازلت أتذكر صورة قديمة له، بشعره الطويل، وبنطاله الواسع من الأسفل، والقميص المفتوح الصدر، في إحدى مختبرات الجامعة، مثله كأي شابٍ سعودي في ذلك الزمن، يواكب عصره وموضته، وفي ذات الوقت، يشق طريقه نحو التعلم، والابتعاث الخارجي.

كان منزل أبي وائل في السكن الجامعي، فرصة لي لمخالطة شُبان صغار مثلي، أتوا من مناطق سعودية مختلفة، حين كنت أذهب لزيارته والمكوث عدة أيام لديه، والخروج مع ابنه وائل، لكي نلعب هناك.

أن تستمع لهجات مختلفة، ترى سحنات متنوعة، عادات وقصص، وحتى ترهات وقهقهات ونكات، ومنافسات، بنكهات محلية، هو أمر يثري الفرد لا شعورياً، خصوصاً في مراحل النشأة المبكرة.

كانت أم وائل تهتم بالمنزل وأناقته وترتيبه، وكانت لها طريقتها الخاصة في الكرم والعناية بالأهل والزوار: توزيع الأثاث، القماش، الستائر، التحف، الطعام.. تلك الجغرافيا التي تحول المنزل من مجرد مكان للسكنى، لمساحة جمالية خاصة. وذلك كان درساً آخر.

بعدها بسنوات، عندما صرت طالباً في جامعة الملك سعود، تعرفت إلى الدكتور عبدالقادر المهندس، وإن لم تربطني به علاقة خاصة، وأيضا د. حمزة المزيني، وكلاهما كانا على صداقة مع د. وجيه، وإن لم تخني الذاكرة كان المزيني جاراً له.

في ذات السكن، كنت أذهب في زيارات دائمة لمنزلي د. عبد الله الغذامي ود. معجب الزهراني، في جلسات ونقاشات دائمة، حيوية، تعلمت منها الكثير، واستفدت العديد من الخبرات الثقافية الباكرة، ولا أنسى حفاوتهما البالغة وكرمهما. ولا أنسى غذاء جميلاً جمعني مع معجب الزهراني وأحمد أبو دهمان، في منزل ابن عمي، والحديث الشفيف حول رواية ”الحزام“.

رغم أني كنت طالباً في كلية ”العلوم“، إلا أن حبي للأدب، دفعني لحضور دروس الماجستير لدى الغذامي والزهراني، تعرفت فيها إلى صديق حسين بافقيه، ولا أنسى أن الغذامي كان يفضلني على بقية الطلبة، ويقول: أنتم تحضرون عندي مجبرين، فيما ”حسن“ يأتي رغبة منه. وهذه التفاتة كريمة منه.

ذات يوم طلب مني أن أجلب نسخاً من كتاب ”خلاصة المنطق“ للدكتور عبدالهادي الفضلي، وطلب من الطلاب قراءته كاملاً، وقال لهم: هذا ما سيعلمكم التفكير المنطقي.

تجارب عدة، يضيق المجال بذكرها، وهي في مجملها تدفعني للتأكيد على ضرورة أن تكون الجامعات مساحة مفتوحة لكل السعوديين، لا ذات طابق محلي مناطقي، وإنْ بنسبٍ مختلفة، لأنه لولا هذا التنوع، لخسرت شخصياً الكثير من خبراتي، ولم يتشكل ذهني كما هو عليه الآن.. ولنا تتمة قريبة.