آخر تحديث: 24 / 10 / 2020م - 3:03 م

عش الكتب ”2“.. هل سنجده في كل المرافق العامة؟

زكريا أبو سرير

شهدت الساحة الثقافية قبل ما يقرب من أسبوعين تقريبا وبالتحديد في 23سبتمبر 2020، انطلاقة مشروع ثقافي بدون رأسمال وبسيط أسماه مؤسسه عش الكتب، حيث كان برعاية المعلم والكاتب حسن آل حمادة، وقد نصبه أمام سور منزله، وقد نال إعجاب الكثير من أهالي المنطقة وخاصة من هم في الوسط الثقافي، وقد اهتم الإعلام الرسمي والمحلي في تغطية هذه المبادرة الاجتماعية والثقافية الرائعة، مما منحها جانب من التفاعل في أغلب الأوساط الاجتماعية.

وقد سبق وأفصحنا في مقالنا السابق بعنوان عش الكتب.. مشروع فكري وثقافي، عن طبيعة وإليه وكيفية وأهداف هذا المشروع الثقافي الإبداعي، بأنه مشروع غير ربحي ماديا، ولكنه ربحي ثقافيا بامتياز.

الكتاب وما أدراك ما الكتاب، أغلب الذين كانت لهم محطات عالمية ودولية، أكيدا قد شاهدوا أثناء تجولهم في مختلف المواقع الذي زاروها ركنا مخصصا للكتاب أو مكتبة مصغرة قد ملئت بمختلف أنواع الكتب الثقافية وهي متاحة للجميع لأجل القراءة، بل قد تجد مثل هذه المكتبات الثقافية في كثير من المرافق الاجتماعية والخدمية هناك، كمواقف انتظار الحافلات أو في مترو الأنفاق المخصصة لمحطات القطارات، فضلا عن بعض المطارات الدولية، وقد رآها الكثير من هوات السفر والسياحة، ومن خلال تنقلهم من مكان لمكان، قد لاحظوا ركنا للقراءة حتى في بعض المطاعم والمقاهي الترفيهية، وذلك لإيصال رسالة مهمة أننا شعب متحضر ومثقف ويقدر قيمة الوقت والكتاب.

الكتاب مظهر ثقافي وعنوان حضاري أين ما وجدته وأين ما وضعته، ولهذا اهتمت هذه الأمم المتقدمة بإظهار قيمة معنى مفهوم الكتاب وأهمية تواجده في كل مكان، لكي توفره وتضعه في يد كل واحد من أبنائها حيث يكون حاضرا معهم أينما كانوا، ولأن الوقت ذو قيمة لا تقدر بثمن ولا بشيء آخر، لهذا ينبغي استثماره في أفضل قيمة ترفع من شأن وقيمة ومكانة الإنسان والبلد الذي يحتضن، فمن منطلق أهمية الكتاب وتأثيره سلوكا وفكرا على الفرد والمجتمع، تم زرعه في كل زاوية من زوايا المجتمع من المجتمعات المتحضرة والمتقدمة، والكتاب هو حضارة ترثه حضارات وتطوره حضارات ويطور حضارات، فالكتاب عبارة عن مجموعة حضارات قد اختزلت فيه كل أو أغلب تجارب من سبق من الأمم السابقة.

وهذه المجتمعات المتقدمة والمتحضرة قد قرأت تاريخ الحضارات بعين بصيرة واستوعبت تجارب الآخرين، الذين سبقوها، وأهم درس بالغوا واهتموا وركزوا عليه لكي يكونوا سادة لا عبيد هو العلم، هو كيف يتمكنون من التسلح بسلاح العلم والمعرفة، واستثمار الوقت في هذا الجانب المهم، وبدون التمكن من هذا الجانب العلمي، لا قيمة لهم في ذلك في شيء ولا يمكن أن يكون لهم شأن بين العالم لا في الحاضر ولا في المستقبل، لهذا ترى الكتاب في جيوبهم كنقودهم تماما أين ما حلوا وارتحلوا، وبهذا تمكنوا أن يصبحوا سادة العالم.

لهذا يسرنا أن نرى مثل مشروع عش الكتب الثقافي قد استوحذ معظم مرافقنا الاجتماعية، وخاصة في المرافق الذي تكثر فيها التجمعات البشرية بمختلف الأعمار والأجناس، كالكورنيشات البحرية والمراكز التسوق والمستشفيات العامة والخاصة، وحتى في أسواق الخضار وغيرها من الأماكن ذات الحيوية البشرية، الذي تكثر فيها الحركة الاجتماعية من المواطنين والمقيمين، ولا يقتصر ركن الكتاب أو عش الكتب فقط على الكتب المدرجة باللغة العربية، بل ينبغي أن تكون هناك حصة كافية من الكتب باللغات الأخرى، لمن لا يتقنون اللغة العربية وبالقدر الممكن أن تتوفر كتب لمعظم اللغات للكبار والصغار، ونأمل أن يشارك في تأسيس هذا المشروع الثقافي الوطني الجهات المسؤولة، وأخص بذلك تفعيل دور المكتبات العامة في كل منطقة، من خلال إشرافها على نوعية الكتب من المناسب وغير المناسب، وكذلك وزارة السياحة ووزارة الشؤون البلدية والقروية، وكذلك المواطنين لابد أن ينالهم جزء من المشاركة، ويصبحوا شركاء في إنجاح هذا المشروع الثقافي والوطني، بحيث كل يكمل بعضا لإبراز هذا المشروع الحضاري الثقافي بأحسن وجه.

وبما أن بلادنا الحبيبة مقبلة للتوجه والتهيئة على أهم مصادر الاقتصاد وهو السياحة، الذي يعده أغلب دول العالم بأنه أهم مصدر قومي ومحلي للبلد، حيث تشكل السياحة عند بعض هذه الدول المصدر الأول لدخلها الاقتصادي القومي والمحلي، مثل دولة الهند حيث إن مدخول السياحة يمثل لها تقريبا بنسبة 42٪ من إجمالي الدخل القومي، وبما أن اقتصادها يعتمد على السياحة فهي تضع أهمية بالغة للجانب الثقافي، وكذلك مالطا حيث هذا القطاع يشكل لها أكثر من 14٪ من الناتج المحلي الإجمالي، حيث يمثل هذا القطاع جزاء كبيرا من نمو الناتج المحلي الإجمالي في هذه الدول، وحتى الدول الغنية والصناعية والمتقدمة اهتمت لهذا الجانب المهم اقتصاديا لأنه ليس فقط سوف يدر عليها مالا وافرا فحسب، وإنما سوف يظهرها أمام الآخرين بمظهر الدول الواعية والمثقفة، واهتمام باكتشاف ثقافات متعددة ومتنوعة من خلال هذا البعد السياحي، وهذا ما سوف يعزز من مكانتها وقيمتها بين الشعوب الأخرى، فهذا القطاع الذي يبلغ حجمه 8 تريليونات دولار، من المتوقع أن ينمو بنسبة 44٪ خلال العقد المقبل وفقا لمجموعة البنك الدولي.

وهنا ينبغي أن يكون لبلادنا الحبيبة نسبة من هذا القطاع السياحي الاقتصادي المهم، فإذا أصبحت بلادنا أحد مراكز السياحة في العالم وهذا هو المتوقع لها في المستقبل القريب بإذن الله تعالى، أن تتصدر مكانة مرموقة في عالم السياحة، وبما أن بلادنا قد استوطنها الكثير من الحضارات السابقة، فسيد الحضارات وهو الكتاب لابد أن يكون حاضرا وبارزا على مستوى كل الصعد، وأن يخصص له ركن في كل مرفق ومكان في بلادنا الحبيبة، لأن وجوده يعني التحضر والتقدم والازدهار وهو عنوان حضاري وثقافي للبلد وأهله، ولأن تكلفة الجهل أضعاف مضاعفة من تكلفة الثقافة والوعي، فلابد للكتاب أن يكون حاضرا في كل الميادين، ويكون حاضرا في أعمالنا وحياتنا.