آخر تحديث: 27 / 11 / 2020م - 2:04 ص

المادة اللاصقة - الأمهات

قوى جاذبة خفية وظاهرة وضعها الله في الكون لتقرب المعادن المتناهية في الصغر مع بعضها وتؤلف بين الأجرامِ الفلكية فائقة الحجم. إحدى هذه القوى الإنسانية الجاذبة هي قوة الأمهات التي تفعل فعل المادة اللاصقة الشديدة القوة لأفراد الأسرة. هي قوة، إن بقيت صامتة ومتفرجة فهي قوة مراقبة خفية. وإن ثارت فهي في أغلب المهام أكثر هدوءً وحساسية من الرجل وقد تكون أكثرَ عقلانية!

قوة الأمهات اللاصقة تتمدد كلما ازداد عدد الأسرة وكبرت المسؤوليات، ولا تفقد السيطرة. وأكبر دليل على فعالية وقوة هذه المادة اللاصقة حينما يختفي دور الأم أو يُغَيَّب؛ حينها يبدو كلُّ شيءٍ في عالمِ من حولها في حال الضياع. هذه القوة الكونية لا يحدها ولا يحجبها دِين أو عرق أو لغة، وإن تفاوتت بحسب تفاوت المعتقدات والثقافات.

هي قوة فاعلة إن كانت الأم تعطي دروساً في أرقى الجامعات، أو بالكاد تعرف مبادئ القراءة والكتابة، إن كانت تعمل أو لا تعمل فمهمتها في الجمع لا تتوقف عن العمل. تنتقل في حَملها من ضعفٍ إلى ضعفٍ آخر يستولي على كلِّ جسدها،  فيما تنوء به من ثقلٍ وما تتحمله من آلام، وما تعانيه من خطر على حياتها عند الوضع. ثم عامين من الرضاعة، ليكون بعد ذلك الفصال والفِطام عن اللبن، وليس عن الرعاية والحماية، وإن صار مولودها في عمر الشيخوخة!

في زمن تحل القيمُ المادية مكان القوى المعنوية، ما أحوج الإنسانية للإعتناء بهكذا مراكز جذب كونية لا يعرف قيمتها إلا من حُرم منها باكرًا في حياته وصارت صفته ”يتيم“، يحتاج أن يعوضه من حوله عنها، ليعود إنساناً متكاملاً واثقاً بنفسه يتطلع إلى القادم من صعوبات الحياة بطمأنينة وأمل مثله مثل غيره الذي يملكها.

فإذا شاب رأس هذه الأمهات استحققن دون منَّة أن يخضع الأبناء لهن ويتواضعون كما يخفض الطائر جناحه إذا ضمَّ فرخه إليه، تماماً كما كنَّ يفعلن بأبنائهن في الصغر، لا أن يُودعن دور الرعاية والحضانة. كل هذا من أجلِ أن تستمر الحركةُ الإنسانية في العطاء، والاعتراف بالجميل، وبالمشاعر التي تحفظ للأمهات كلَّ ما عملنَ دون كلل في جمعِ من حولهن تارةً بالدموع وتارةً بالضحكات!

مستشار أعلى هندسة بترول