آخر تحديث: 20 / 1 / 2021م - 4:20 م

طوق المحبة

عبدالله الناصر

منذ أيام أطلقت قدمي نحو ضفاف إحدى سواحل بلادي، كنت أرغب بالتمتع بجمال الأجواء وتعانق الغيوم البيضاء بالسماء.

انتابني صمت عميق وأنا أتأمل جمال المكان كأنه عروس تتزين لزوارها. أيعقل أن يكون هذا المنظر ببلاد اكتسحتها الصحاري والهضاب؟

كانت المياه نظيفة لا يبعثر صفائها الأوساخ، تعكس بريقها للعين فتسر الناظرين إليها، ورمالها صفراء كأشعة الشمس المنيرة، صافية لا تشوبها القاذورات، كان الهواء يخترق أنسجة صدري ببرودة فينعش به كامل جسدي.

قررت أن أتوقف عن المشي قليلا وأشرب قهوتي، ما لفتني حينها أن الاشياء حولي تبدو مرتبة، خاصة الكراسي الأنيقة على طوال الساحل، كانت مزينة برسومات جميلة ومفعمة بالحكم والقوة والإيجابية، لا أعلم من أصحاب هذه الأيدي السحرية لكني أهنأهم على الأثر الجميل الذي تركوه بلمساتهم.

أنهيت كوب قهوتي واستجمعت ما تبعثر من أدواتي وهممت إلى إحدى سلال النفايات لأضعهم بها فلفتتني عبارة خطت بألوان جميلة كتبت على السلة «وطنك هو بيتك الحقيقي فحافظ على نظافته»

مجرد المشي في هذا الساحل راحة نفسية وجسدية. شعرت أن خصوصية هذا المكان وجماله يحتاجان أن أحتفظ فيهم بصورة ففتحت هاتفي والتقطت صور عديدة. مجرد النظر لها تعتبر تغذية بصرية ومشجعة لزيارة الساحل وجدت المكان كمتحف للفن يستحق أن أوثق كل زواياه.

أنا وأنت اندمجنا بروعة المكان ولكن حقيقة الأمر أن الأروع من ذلك هي الأيدي الخفية التي بذلت طاقتها بالخفاء لنعيش متعه الراحة في هذا المكان.

اليد التي مشت بالساعات وهي تزيل الأوساخ من داخل المياه، والسواعد التي تعاونت لتنظيف هذا الساحل الطويل ليل نهار، وهناك من اكتفى بترك بصمات فنية برسمات توزعت على الكراسي والسلال والجدارن، ترك أثره فيها ورحل. وتلك الشتلات التي وضعت بجهودكم أصبحت اليوم شجراً وورداً حولت المكان لبستان.

هم المتطوعين بحب الوطن الذي يحوي داخلهم خير سخي وعامر وكريم لوطنهم، هنيا لكم الأجر الذي يبنى ويزداد بكل نفس أتت إلى هنا واستفادت وارتاحت وسعدت نتيجة جهودكم الخفية، لم أملك إلا أن أكون ممتنا لكوني فرد من هذا الشعب المعطاء.

لا أخفيكم شعوراً، أنني كلما شاهدت استمتاع الناس وفرحة الأطفال بالمكان تمنيت لو كان لي دور في المشاركات التطوعية التي اهتمت بالمكان وبقى هذا الشعور عالق بنفسي إلا أن وصلني إعلان جمعية الأوجام لحملتها التطوعية لتنظيف حديقة المدارس، ابتهجت نفسي لقدرتي لتحقيق ما تمنيته منذ أيام.

ما شاهدته خلال مشاركتي الحملة أعتبره حكاية ممتعة أبطالها أبناء قريتي «الأوجام» من أصحاب العطاء المخفي الذين تبرعوا لشراء مستلزمات الحملة والبعض منهم شارك بمبالغ بسيطة يعلم الله وحده بمدى تكرمهم رغم احتياجهم بالأساس.

ومن شخصيات تجمعو للعمل بكل حماس بدأ من كبير السن الذي شارك بالتنظيف وابتسامته لم تغب عن محياه كأنه يخبرنا أن العطاء لا عمر له ومن شباب في مقتبل العمر أنهوا العمل بقوتهم بكل دقة وترتيب وإتقان بكل وسائل الوقاية والأمان، ولم يخلو المكان من شقاوة الأطفال بعفويتهم وهم يتسابقون لإثبات قوتهم بمثل هذه المهمات، شي واحد جمع الكل وهو «المحبة»، أثبتوا حقاً قوة الخير في الأوجام.

ليس سهلاً على بلاد بهذا العدد الهائل من السكان وآلاف المقيمين التي تستقبلهم وأن تحافظ على هذه الصورة الجميلة للبلاد، إن هذا الدور جزء منه يقع على عاتقنا.

الوطن هو درعنا الحامي من كل ما هو خارجي ونحن درع الوطن الداخلي الذي يجعله يتماسك، ألسنا من عاهدنا انفسنا لحمل شهادات العلم لنرفع رايات أوطاننا، لكنه يحتاج أيضا إلى التعاون والترابط فيما بيننا ليبقى قوياً من الداخل، الخير هو الأقوى في معارك الحياة عند نشوب الحروب وقوة الشعوب في أبنائها.

ليس من الصعب علينا أن نكسر لقب المليون متطوع. جميعنا لدينا جذور وطنية تنبت منها ثمر طيب، الباب مفتوح للجميع كبير وصغير، عامل أو عاطل أو متقاعد، إمرأة أو رجل صفاً بصف مع أبطالنا من أصحاب الهمم. كونوا قطرات المطر كل منكم قطرة خير بطريقتها تنزل رزق لأحد يحتاجها بالخفاء.

في كل قرى المملكة مؤسسات وجمعيات مهمتها توجيه هذه الأعمال ولديها سلسلة طويلة من سبل الخير والعطاء، لا نريد أن يحدث القليل مما نتحدث به عن مخططات لازدهار الوطن بل أن يفيض الواقع بقوه أعمالنا، هذه الأعمال الحياة لا تكافىء عامليها ولا تكرمهم فيها لأنها أعمال خص الله نفسه بتكريم عبده فيها لثقل أجرها وجزائها.

أبناء قريتي الأعزاء نملك جمعية الأوجام الخيرية التي تأخذ على عاتقها إعداد برامج موجهة ومدروسة لخدمة منطقتنا بتعاون مع لجنة التمنية البشرية وهدفهم الأول هو المصلحة المجتمعية

نجاحهم بتكافلكم وتعاونكم معهم.

نحتاج لطاقة كل شخص منكم بقدراتكم وشهاداتكم ووقتكم وأفكاركم لإثراء الأوجام بكم و

لن تتمكن الحياة عن إضعافنا بمطباتها إذا وضعنا أمامها جيشا من المتطوعين مثلكم.

لمن يتعذر بالانشغال الدائم كعذر لعدم مشاركته بالأعمال التطوعية أقول «الوقت في خدمتنا نحن من نصيغه بما يناسبنا وليس العكس فليكن في حياتك جزء للعطاء دوما»

ولمن يريد الاشتراك ولكن الخجل والخوف من الاختلاط بفئات متنوعة يقف عائقا أمامه أقول «إننا بالعمل التطوعي سواسيه كل يقدم ما يستطيع بقدراته فكن متواجد فمكانك لا يستطيع أخذه أحد»

ولمن يتواجدون دوما بكل عمل تطوعي يقام أقول «إن نتائج البركة التي نحن فيها هي نتاج جهودكم فلا شكر يليق بكم»

تنطلق مجموعة من الفعاليات الخيرية في منطقتنا، ليكن لكل شخص منا رقم في المليون متطوع يعيش به شعور المواطنة والعطاء، خلقنا الله بشر لنحيي الأرض مع بعضنا البعض، فلا أحد يعيش لوحدة.

الخير يتسلل بقلوبنا جميعا لنصنع طوق ليس من ذهب بل بما هو أغلى «طوق بأيدي مترابطة تحمي بداخلها الوطن»