آخر تحديث: 20 / 1 / 2021م - 4:43 م

الاستفزاز.. الاعتذار

محمد أحمد التاروتي *

يتخذ البعض المبررات ”الاستفزازية“ غطاء لممارسة شتى أنواع الذنوب، فعوضا من انتهاج سبيل ”الاعتراف بالخطأ فضيلة“، فانه يمارس السير عكس التيار، والعمل على السير قدما في الممارسات الخاطئة، انطلاقا من قناعات زائفة لا تمت للعزة بالنفس بصلة، لاسيما وان الاعتذار يكون اقصر طريق لإزالة سوء الفهم، او إعادة المياه الى مجاريها.

ارتكاب الأخطاء هفوة تسجل في سجل الانسان، انطلاقا من تعرض المرء للضغوط الحياتية، مما يدفعه للاقدام على بعض الممارسات الخاطئة، بيد ان الشجاعة تكمن في القدرة على العودة الى جادة الطريق، والنزول من فوق الشجرة، من خلال تقديم الاعتذار، ومحاولة امتصاص حالة الغضب المترتب على تلك الهفوة، وبالتالي فان الأخطاء ليست نهاية الطريق بقدر ما تمثل وسيلة، لاكتشاف القدرة على التحلي بالاخلاق، والابتعاد عن الانتقام او التعدي على الاخرين، ”انكم لن تسعوا الناس باموالكم وفسعوهم باخلاقكم“.

ثقافة الاعتذار لا تحط من قيمة المرء في المجتمع، فهي تعكس جانبا مضيئا هذه الشخصية، لاسيما وان النوازع الشيطانية تمنع انتهاج الاعتذار، انطلاقا من أوهام ومفاهيم بعيدة عن القيم الإخلاقية، مما يدفعه لمحاولة انتهاج طريق المواجهة، والإصرار على الخطأ، بهدف رسم مسارات حياتية خاصة، والعمل قهر الطرف الاخر بشكل استفزازي، وغير مقبول على الاطلاق.

المشكلة تكمن في الاعتراف الداخلي بالمسلك الخاطئ، بيد ان المكانة الاجتماعية او مسايرة بعض القناعات الاجتماعية، تحول دون الإقرار بالذنب، مما يسهم في تفاقم الأمور، وتزايد حدة التوتر، مما يعطل كافة الجهود لاعادة الأمور للوضع الطبيعي، لاسيما وان ”العزة بالنفس“ ترفض جميع النداءات الصادقة للعودة لصوت العقل، والتنازل عن القناعات الخاطئة وغير السليمة، فيما يتعلق بالممارسات الحياتية في مختلف المجالات.

الضغوط الخارجية تلعب دورا فاعلا، في استمراء الممارسات القبيحة، لاسيما وان الشعور بالقوة، ووجود غطاء خارجي، يدفع باتجاه الاستقواء، وعدم الاعتراف بالاخطاء، بمختلف اشكالها، خصوصا وان تجاوز الخطوط الحمراء يجد معارضة قوية من لدن الجميع، انطلاقا من القواعد الأخلاقية الحاكمة في الممارسات البشرية، بمعنى اخر، فان البعض يحاول تبرير الممارسات ”الاستفزازية“ بمبررات غير مقنعة، وغير قابلة للتصديق، بحيث يصدق عليها ”عذر اقبح من ذنب“، مما يجعل العذر اشد قبحا من الذنب نفسه.

التعامل مع القيم الأخلاقية، والثوابت الاجتماعية بطريقة انتقائية، يكشف الكثير من الجوانب الخافية لدى بعض الفئات الاجتماعية، حيث تتحول الكثير من المرتكزات الأخلاقية، الى اجتهادات قابلة للمناقشة - بنظر هذه للفئة -، الامر الذي يستدعي إعادة النظر في قدرتها على الاستمرار، انطلاقا من التطور الاجتماعي، وكذلك الظروف الاقتصادية، والعوامل السياسية الحاكمة، وبالتالي فان الإصرار على تحكيم تلك القيم الأخلاقية، والثوابت الاجتماعية، لا ينسجم مع المستجدات العالمية، مما يتطلب العمل على تحطيمها، وإعادة رسمها، وفقا لمتطلبات المرحلة، من خلال معايير واطر اكثر قدرة على الاستجابة للواقع المعاش.

العقلية الانتقائية تمارس دورا تخريبيا، وتحاول غرس تلك الثقافة في العقل الجمعي الاجتماعي، مما يدفعها للمجاهرة بتحطيم العديد من الثوابت الاجتماعية و”المحرمات“ الأخلاقية، بهدف إضفاء شرعية والحصول على ”صك“ البراءة، نظرا لادراكها بخطورة تلك الاعمال على منظومة القيم الاجتماعية، مما يدفعها لمحاولة اظهار تلك الممارسات بمظهر التجديد، وكسر التفكير ”التقليدي“ السائد، من خلال استخدام مفردات وشعارات، تصب في خانة ”عذر اقبح من ذنب“.

البيئة الاجتماعية تمثل خط الدفاع الأول، للحفاظ على السلوك الأخلاقي، فهي قادرة على وضع النقاط على الحروف، وقطع الطريق امام الممارسات غير السليمة، من خلال إشاعة روح التسامح، وفتح الطريق امام للعودة للجادة مجددا، عبر انتهاج طريق الاعتذار، ورفض مختلف اشكال المكابرة، فالبيئة المتسامحة قادرة على احتضان الأبناء، والصفح عن الأخطاء، مما يحول دون انتهاج سياسة الاعذار الواهية، وارتكاب الأخطاء الكارثية القاتلة، التي تقوي النوازع الشيطانية، وتزين مثل هذه الممارسات، باعتبارها الوسيلة المناسبة، للخروج من مأزق الاعتراف بالذنب.

كاتب صحفي