آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 3:27 م

لغة الفيروس وفيروس اللغة

الدكتور أحمد فتح الله *

لغة الفيروس

يعتقد البعض، دينيين وغير دينيين، أن كل شيء له ”لغة“؛ الحيوانات والطيور والحشرات، وحتى النباتات والجمادات، تتكلم، وتقول، وتتواصل، لكن البشر لا يفهمون قولها. سأترك نقاش ”مفهوم اللغة“ العلمي الدقيق إلى مقال آخر، لكن الفكرة هي أن اللغة، رغم أنها من أدوات التواصل بين البشر، تختلف تمامًا عن ”أنظمة التواصل“ عند غير البشر. لتقريب الصورة: تأمل في إشارات المرور، بألوانها الثلاثة ومعانيها المختلفة وتصرف البشر بناءً عليها؛ هذا نظام تواصل وليس لغة.

وعودًا لموضوع المقال الحالي، أقول، في مقال ”اللغة وصناعة الواقع“ «منشور في صحيفة جهينة في 13-8-2020م» [1] ، تناولت قضية مفهوم الحياة في الكائنات الحية، وحقيقة ”الفيروس“. فعليه، أسئلة من قبيل ”هل تتحدّث الفيروسات مع بعضها البعض؟، وهل لديها لغةٌ مثل الكائنات الحيّة؟“ تكون مشروعة، وليست مجرد ترف علمي أو سفسطة فلسفية.

يكاد يكون هناك اتفاق بأن الفيروسات كائناتٌ بسيطةٌ جداً، وهي أنواع متعددة. حسب مقال علمي منشور في صحيفة ”الطبيعة“ «Nature» في 18 يناير سنة 2017م [2] ، وُجِدَ فيروسٌ من عاثيات الجراثيم - بكتريوفيجيس - «Phages» وهو يرسل رسائل كيميائيَّة لأصدقائه الفيروسات، وعاثيات الجراثيم فيروساتٌ تصيب البكتيريا؛ وهذا الفيروس عندما يجد جرثومًا قريبًا يلتصق عليه تلقائياً ويبدأ بدورة حياته بحقن الجرثوم بمادته الوراثية؛ لكن يبدو أنَّ الفيروس، حسب المقال، لديه ”منهجية“. هذه الفيروسات لا تقوم فقط بغزو البكتريا واستخدامها كالعادة لإنتاج المزيد من النسخ الفيروسية تلقائياً، بل تبين أنَّها أيضًا تتواصل مع بعضها البعض إذ اكتُشِفَت لأول مرة إشاراتٌ لوجود جهاز تواصل فيروسي، وذلك خلال دراسة باحثين للفيروسات التي تهاجم العصيات الجرثومية. وتبين أيضًا، أن باقي الفيروسات يمكن أن تتواصل مع بعضها من خلال ”لغتها الخاصة.“

كانت مجموعة من العلماء يبحثون عن دليلٍ على أنّ بكتيريا عصويةً تدعى «Bacillus subtilis» تنبّه باقي قريناتها البكتريّة عن فيروس العاثيات. يعلم الباحثون أن البكتريا «ذات النوع الواحد» تتحدث مع بعضها البعض من خلال إفرازها مواد كيميائيّة خاصّة واستشعارها لهذه المواد، تدعى هذه الظاهرة ب ”استشعار النصاب“

«quorum sensing»، تسمح هذه الظاهرة للبكتريا بالتحكم بأعمالها بما يتوافق مع البكتيريا الأخرى المحيطة، وعلى هذا الأساس تقرر إمَّا أن تنقسم أو تبدأ بالهجوم مسببةً عدوى. تفاجأ فريق الدراسة أنّ فيروسات عاثيات الجراثيم المُهاجِمَة لتلك الجراثيم العصويّة، هي بدورها تصنع مادةً كيميائيّةً تؤثّر على سلوك باقي الفيروسات تعرف ب «phi3T» وهو بروتين فيروسيّ.

توقّع الفريق أنّ علماءَ آخرين سيكتشفون وسائلَ تواصلٍ أخرى للفيروسات، حيث وجد الفريق أكثر من 100 نظام مشابه لـ ”مسئول الاتصال“ «سماه العلماء «arbitrium، معظمها في جينات العصيات المُهاجَمة من قبل الفيروس. وتساءلوا أيضًا فيما إذا كانت الفيروسات التي تهاجم عُضيَّاتٍ أكثر تعقيدًا «مثل الإنسان» تستطيع التحدث مع بعضها البعض. في 18 يونيو 2019م، نشرت مجلة ”الطبيعة“ «Nature» أيضًا مقالًا بعنوان: ”الحياة الاجتماعية السرية للفيروسات“ «The secret social lives of viruses»، وهو تقرير علمي يدعي أن عالم الجينات روتيم سورك «Rotem Sorek» اكتشف أن الفيروسات ”تثرثر“ وتتبادل ملاحظات بلغةٍ جزيئية لا يستطيع غيرها فهمها، وأن الفيروسات ”تمتلك لغتها الخاصة وتتجسس على الآخرين“ [3] .

فيروس اللغة

في روايته ”التذكرة التي انفجرت“ «The Ticket that Exploded»، المنشورة في «1962»، اعتبر الكاتب والروائي الأمريكي وليم بوروز «William S. Burroughs» [4] ، أن ”اللغة فيروس“ يجعل الإنسان عاجزًا عن الصمت، وخاضعًا لحاجة ملحة إلى الكلام، مما يؤدي إلى اضطرابات مستمرة في التواصل واستغلال البعض لهذه الاضطرابات لفرض وجهات نظر معينة وللتلاعب بالعقول. يقول بوروز:

”النصف الآخر“ هي الكلمة. ”النصف الآخر“ كائن حي. الكلمة كائن حي. إن وجود ”النصف الآخر“ هو كائن حي منفصل متصل بجهازك العصبي على سطر من الكلمات يمكن الآن إثباته تجريبيًّا. واحدة من ”الهلوسة“ الأكثر شيوعًا للموضوع أثناء انسحاب الإحساس هي الشعور بجسد آخر ممتد عبر جسم الشخص المعني بزاوية... نعم، إنها زاوية تمامًا، لقد عمل ”النصف الآخر“ عدة سنوات على أساس تكافلي. من التعايش إلى التطفل خطوة قصيرة. الكلمة الآن فيروس. ربما كان فيروس الإنفلونزا عبارة عن خلية رئوية صحية. هو الآن كائن طفيلي يغزو ويدمر الجهاز العصبي المركزي. فقد الإنسان المعاصر خيار الصمت. جرب وقف الكلام المنخفض الصوت. حاول تحقيق عشر ثوانٍ من الصمت الداخلي. سوف تواجه كائنًا مقاومًا يجبرك على التحدث. هذا الكائن الحي هو الكلمة.

هذه الاستعارة وظفها ماريانا سالا وماسيمو سكاجليوني في كتاب حرَّراه بعنوان: ”الفيروس الآخر، التواصل والتضليل في زمن كوفيد-19“ «L`altro virus, comunicazione e disinformazione ai tempi di Covid-19»، الصادر في مايو 2020م عن دار نشر ”الحياة والفكر“ «Vita e Pensiero» الإيطالية، وشددت المقالات المحررة فيه على أهمية وضوح وشفافية وفصاحة الخطاب الرسمي أثناء جائحة كورونا قائلين أنها عناصر ضرورية لنقل الرسائل بشكل صحيح ومفهوم. وإذا اُستعملت اللغة بشكل غير سليم، قد تصبح ”فيروسًا“ تصاب به المجتمعات، ولعله هنا إشارة إلى أنه حين تفسد اللغة أخطر على الإنسان من الفيروسات الأخرى التي قد يجد لها الإنسان لقاحًا أو علاجًا [5] .

[1]  انظر الرابط: https://juhaina.in/?act=artc&id=69008
[2]  انظر: https://www.nature.com/news/do-you-speak-virus-phages-caught-sending-chemical-messages-1,21313
[3]  انظر الرابط التالي: https://www.nature.com/articles/d41586-019-01880-6
[4]  في 18 انظر: وليم بوروز: التذكرة التي انفجرت عام 1962» على الرابط التالي:
https://en.wikiquote.org/wiki/William_S. _Burroughs#The_Adding_Machine: _Collected_Essays_ «1985
[5]  سينشر خلال الأيام القادمة، إن شاء الله، عرض وقراءة لهذا الكتاب القيم.
تاروت - القطيف