آخر تحديث: 4 / 3 / 2021م - 10:10 م

ثقافة العطاء

عبد الرزاق الكوي

هناك ضرورة اجتماعية ملحة لإيجاد سبل وتكثيف العمل لنشر ثقافة العطاء في المجتمع، وجعل العطاء جزاء لا يتجزأ من الحياة اليومية وتكون من الأولويات في سلم الاهتمام من جميع أطياف المجتمع، كبارا وشبابا وصغارا.

ازرع جميلا في غير موضعه

فلن يضيع جميلا أينما زرعا

إن الجميل وإن طال الزمان به

فليس يحصده إلا الذي زرعا

فالعطاء كثقافة في أي مجتمع تدل على الرقي الإنساني واليقين القوي بالله سبحانه وتعالى، فالعطاء لا يقتصر على بذل المال، فليس كل الناس تملك المال، فالعطاء اذا كان ثقافة ومنهج معتمد في الحياة، يشاهد في حب الخير والعمل من أجله، وبذل الجهد في العمل التطوعي للتخفيف عن كاهل الفقراء والمحتاجين بقضاء حوائجهم، في أنشطة تكرس ثقافة البذل والتطوع لخدمة المجتمع، النية الصادقة والمشاركة الوجدانية والوقوف بجانب المتطوعين خير وبركة، كل ذلك يقدم صور جميلة ومشرقة تساعد على التفات الكثيرين وجذبهم إلى العمل الخيري.

لا أحد يستصغر عمل الخير والعطاء مهما قل فعند الله عز وجل عظيم، ومع تكاتف الجميع يصل العطاء إلى مبتغاه، فوجود بيئة تتكفل استمرارية العطاء بركاته تزيد وفوائده تكثر، ولا ينقص من المعطي شئ، بل ينعكس فوائد نفسية وراحة قلبية ورضا داخلي بالشعور بانك أدخلت البسمة على شفاه محتاجة أو يتيم فقد حنان الأب، بفضل العطاء أسست مشاريع تكفل فيها أحباء على القلوب واستمرت على أيدي أهل العطاء، تتعمق في المجتمع المودة والتآخي والألفة والمحبة، هذه المشاريع المباركة هي مشاريع أهل البيت فكانت سيرتهم عطاء لا ينقطع، ومحبيهم لابد ان يقتدوا بسيرتهم المعطاء التي بلغت أوج عظمتها بتقديم الأنفس، فالشجرة المثمرة أصلها بذرة زرعت وتعهدت بالرعاية فأعطت خير الثمر الطيب، ومن شجرة واحدة تفرع عنها أشجار، فلا أحد يستحقر قلة العطاء، فالعطاء القليل خير من الحرمان، فثقافة العطاء تكرس في الأسرة والعائلة والمدرسة والعمل والديوانيات والمجتمع بشكل عام، ليكون عطائهم رافد لا ينقطع وصلة تعم فوائده، فالأسرة وهي نواة المجتمع هي نموذج إذا فعل فيها مبدأ العطاء انعكس على الأسرة في سعادتهم ورضاهم الذاتي، وتكوين مشاعر إيجابية، ويرتفع تقدير الشخص لنفسه وينعكس على المجتمع بتقدير الفرد والأسرة، بعلاقات أخوية وتعاون دائم.

هذه الثقافة تدل على شكرا لله سبحانه وتعالى لأنعمه وعطاءه من صحة وتوفيق ومال وجاه وستر وعيش كريم مع أسرة ينعم فيها الجميع بالسعادة.

قال تعالى:  ﴿وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم .

فالعطاء شكرا لله بما أنعم وما سوف يعطي من الحسنات أضعاف مضاعفه، لا يتساوى عطاء رب العالمين مع اي عطاء، خير في الدنيا ودعاء من محتاج تنعم بهذا العطاء بالصحة والبركة وفي الآخرة لا ينفع مال ولا بنون إلا العمل الصالح أن تخفف من معاناة الآخرين يخفف الله تعالى عنك.

قال الصادق الأمين ﷺ: «ما نقص مال صدقة قط، فأعطوا ولا تجبنوا»

ان المحروم هو من حرم من خير العطاء، بخل بما رزقه الله به، تأثر بوعد الشيطان ونسى وعد الرحمن، بروح أنانية وعدم يقين بما سوف يكون هذا المقابل وعظمته.

قال تعالى: ﴿وأقرضوا الله قرضا حسنا، وماتقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله خيرا وأعظم أجرا.

فلا تشغل بالحياة وجمع المال ومن حولك أفواه جائعة وأيتام بلا مأوى، ومرضى لا يقدرون على ثمن العلاج والدواء، وغيرها من الحاجات الضرورية التي تحتاج نظرة عطف، يخسر المحروم من فضيلة العطاء.

قال تعالى:  ﴿وما أنفقتم من شئ فهو يخلفه وهو خير الرازقين .

فالمجتمعات ضعيفة بعدم تعميم ثقافة العطاء، والأمة متخلفة بتخاذلها عن تقديم الواجب، يعم التراجع وتنعدم السعادة، وتسود الكراهية، فالمخلدون في مجتمعاتهم، والمحزون على فراقهم، هم أهل العطاء الذين اتصفوا بالكرم والبدل في جميع نواحيه، واستخدموا الجاه والمكانة لتسيير شؤون المحتاجين، وهم أصحاب الكلمة الطيبة التي تجمع الناس على حب العطاء وتشجيعه، فخير الناس أنفعهم للناس.

إذا جادت الدنيا عليك فجد بها

على الناس طرا قبل ان تتفلت

فلا الجود مغنيها إذا هي أقبلت

ولا البخل تبقيها إذا هي ولت

فسعي الجميع للعطاء وأن تجعلها هذه الصفة الجليلة سمة من سمات المجتمع، أن لا أحد ينتظر أن يسأل ليعطي بل يبادر بالعطاء، ويبحث عن سعادته في دعوة محتاج وبسمة فقير ورحمة يتيم، كتب الله الخير للمجتمع ولكل من سعى في التخفيف عن كاهل أحباب الله.