آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 12:22 ص

زهراء القطيف نجمة الجنادرية!

فوزي صادق *

الإبداع أن ترى المألوف بطريقة غير مألوفة، وقيل عنه أيضاً هو أن ترى ما لا يراه الآخرون!، ولا يُحتكر الإبداع بأمة معينة، أو بعرق إنساني، فكل من يمتلك عقل يحق له أن يبدع، وكذلك بالنسبة لحواس الإنسان، فإن فقدت منه حاسة أو أكثر، فإن جوهره ومكنونه وحسه الإبداعي لن يتغير، ولن يفقد أصالته.

فالإبداع لايزال مورد ومنهل قابل للعطاء مادام الإنسان يعقل ويبخص كيف تسير الأمور من حوله، وهذا ما رأيته من فن وإبداع قل نضيره بمجتمعنا، والذي تمثل في الفتاة العشرينية زهراء الضامن من مدينة القطيف شرق السعودية، فإن إبداعها لم يتعثر ولم يتوقف أمام فقد حاسة بصرها، بل حباها الله سبحانه وتعالى ببصيرة القلب وعشرة عيون برؤوس أناملها الساحرة، فهي تبصر الأشياء من حولها أضعاف ما يبصره الإنسان العادي بعينيه.

زهراء البصيرة كما سميتها أبدعت وبصمت وأعطت مالم يستطيع فعله الكثير من البشر بعيونهم الواسعة، والتي اقتصرت فقط على رؤية أكسسوارات الحياة والتلذذ بها «كعادة متكررة» دون إبداع وبصمات تذكر، فهل تصدق إنها بلمسات من أناملها تصنع مجسمات وأشكال جميلة ومطابقة للواقع، والغريب في الأمر، إنها لم تــر النسخ الأصلية من تلك الأشياء من قبل!

عادة نحصل على نسخة بعقولنا مما تقع عليه عيوننا بعد رؤيتها، وهذا ما نؤمن به علمياً ونظرياً، أو مايسمى بماهية وجود الأشياء، لكن أن تصنع زهراء شيء من لا شيء! فهذا هو الإبداع بعينه، وتخيّـل! أن يكون بمتناهي الدقة والتضاريس والأبعاد!

هذه هي سنة زهراء الضامن، فقد أبدعت الحضور بمهرجان الجنادرية 1434 هـ، بعد أن دعتها ودعمتها إمارة المنطقة الشرقية، وبمرافقة وإشراف من قبل الفنانة التشكيلية الدولية الأستاذ كريمة المسيري، والتي تبنت أن تكون برفقتها في المهرجان.. وكما علمت، إن الفنانة المسيري عانت الأمرين في عملية المواصلات بينها وبين مبدعتنا زهراء، والتي تقيم بسكن الجامعة بالرياض، والمشرفة حضرت من الشرقية ونزلت بسكن المشاركين بالمهرجان.

وهكذا هو برنامجها اليومي، رحلة يومية من سكن المشاركات بالفندق حتى سكن الجامعة وإلي الجنادرية، في ذهاب وإياب، لكن هذا أثمر حصاده عندما دمعت العيون مع تنهيدة خرجت من قلوب زوار المهرجان، فبوركت زهراء وبوركت روحك وإبداعك.

إذا الإبداع حالة عقلية بشرية تنحو لإيجاد أفكار أو طرق ووسائل غاية في التفرد «متميزة»، بحيث تشكل إضافة حقيقية لمجموع النتاج الإنساني كما تكون ذات فائدة حقيقية على أرض الواقع، وهذا ما فعلته أختنا زهراء أمام الجميع، ولم تتوقف أو تتراجع أمام عرقلة البصر، والتي لا تراها هي عرقلة بحذ ذاتها، لكن نحن نفعل!

السؤال موجه لك أنت يا صاحب الحواس الخمس!، متى ستكتشف إنك في نعمة جمة لا يعلمها ولا يعرف قيمتها إلا من حرم منها؟ ومتى ستعرف إنك مخلوق عظيم قد أنطوى فيك العالم الأكبر؟ فلتجلس مع نفسك قليلاً، وتسألها:

ماذا فعلت وماذا بصمت في هذه الدنيا؟ فما عملي ومأكلي ومشربي سوى عادة يفعلها معظم سكان الأرض، وما فعله المبدعون قبلنا هو المذكور والمنقول بين الأمم، والحقيقة أنا لست بأقل منزلة منهم، فكلنا من آدم، ولنا عشرة أصابع باليد، وكلنا نتملك أربعة وعشرين ساعة باليوم، وكلنا ننام ونعطس! إذاً العلة في داخلنا نحن، وعزيمتنا الذابلة النائمة الخاملة، والتي تحتاج إلي عملية إيقاظ واستصلاح، كأرض خصبة يجلس صاحبها أمامها دون أن يستصلحها ويستثمرها، وكأنه ينتظر أحدهم ليقوم بذلك بدلاً عنه، ونسيّ إنه إنسان عظيم، وأنه أهم استثمار على هذه المعمورة.

شكراً زهراء الضامن، وشكراً إنك أوضحت لنا صورة من صور عظمة الإنسان، وإننا تعلمنا بعض مما لم نتعلمه.

كاتب و روائي - الدمام