آخر تحديث: 23 / 4 / 2021م - 12:13 ص

أهمية مأسسة الفكر

يوسف مكي * صحيفة الخليج الإماراتية

رغم عراقة المنجزات التاريخية للفكر العربي، الذي ارتبط بالحضارة العربية الإسلامية، فإن هذا الفكر، تعطل لحقب طويلة، منذ سيطرة الاستبداد العثماني، فكان الانقطاع يكاد يكون كاملاً عن العطاء والإبداع، والمشاركة في ركب الحضارة الإنسانية. وحين زحف الاحتلال الغربي، على الوطن العربي، كانت الأمة قد أنهكها التعب، وأصيبت بالضعف والوهن، ولم تكن في وضع يسمح لها بالتصدي للغزو. ساد الجمود الفكري، والتوقف عند النصوص القديمة، واعتمدت المحاكاة والتقليد، وغابت روح المبادرة.

ومنذ منتصف القرن التاسع عشر، بدأت محاولات للانعتاق والتمرد على هذا الواقع، ليتبع ذلك بروز محاولات جادة، بخاصة في مصر والعراق وبلاد الشام، قادتها نخبة من المثقفين ورجال الفكر، طمحت إلى عصر تنوير عربي جديد. ودعت إلى سيادة روح التسامح، والانفتاح على الفكر الإنساني العالمي، وإعادة صياغة الموروث العربي الإسلامي، بما يتماهى مع متطلبات النهضة.

نشطت حركة الترجمة، لمجموعة من روائع التراث الإنساني السياسي والفلسفي والأدبي. وبرز رجال ونساء مصلحون، نادوا بالتحديث وإزالة الفروق بين المذاهب الإسلامية، وتحرير العقل، وتحقيق التوازن بين العلم والإيمان، والقضاء على الجهل.

لكن تلك المحاولات، بقيت معزولة عن عوامل النهوض الأخرى. لقد تمترست النخبة التي كان لها الدور الريادي في عصر النهضة، بمواقعها في السفوح، ولم تتمكن من النزول إلى القاع. فكانت النتيجة قطيعة مع الأوضاع والمتغيرات الاجتماعية التي تجري من حولها.

توقفت تلك المحاولات لاحقاً، بفعل العجز السياسي للنخب التي قادت عملية التغيير، بسبب تعثر مشروع الاستقلال، بعد فشل ثورة عرابي، وتوقيع اتفاقية سايكس بيكو، وفشل الثورات العربية 1919 و1939 في مصر، و1920 في العراق، والانتفاضة الفلسطينية 1936، وفشل الأحزاب السياسية وتشوهات الحياة النيابية في مصر وسوريا والعراق ولبنان.

ومع بداية الخمسينات بدأت مرحلة جديدة، بعد نكبة فلسطين عام 1948، تمثلت في انتقال قيادة المشروع النهضوي السياسي إلى مؤسسات الجيش، نتيجة لانقلابات عسكرية، قادها ضباط برتب صغيرة ومتوسطة، في عدد من مراكز الإشعاع العربي. ورغم أن الحكام الجدد استطاعوا تحقيق بعض المكتسبات، وساهموا في تطوير الأنشطة الأدبية والفنية، والانتشار الواسع للصحافة، والانفتاح على الفكر الإنساني، وعلى حركات التحرر في العالم الثالث، إلا أن تلك التجربة، أصيبت بانتكاسات مريرة، شكلت هزيمة الخامس من حزيران/ يونيو 1967 ذروتها.

وللأسف فإن المرحلة التي أعقبتها، لم تشهد تطوراً إلى الأعلى، بل العكس من ذلك هو الذي ساد. فقد طفحت منذ السبعينات ثقافة السوق، مسيطرة على كافة مجالات الفنون والأدب والفكر، وتراجعت البصمات الجميلة والأصيلة من إبداعاتنا، وساد خواء فكري نتج عنه انفصام مر بين الحلم والواقع، وبات الحاضر معلقاً بين ماض راكد وبين توق للانعتاق نحو الالتحاق بركب الحضارة الإنسانية الصاعد.

ومع ذلك بقيت محاولات جادة لإعمال الفكر، هنا وهناك. فمنذ الستينات من القرن الماضي، صدرت مجلة «المعرفة» في سوريا عن الهيئة العامة للكتاب التابعة لوزارة الثقافة، ورأس تحريرها فؤاد الشايب. وقد استمرت في الصدور منذ عام 1962 حتى تاريخه، وقد عنيت بالثقافة والأدب والفكر. وفي الكويت أصدرت إدارة الإرشاد والأنباء مجلة «العربي»، الموسوعية عام 1958م، وكان أحمد زكي أول رئيس لتحريرها.

في لبنان، أصدرت دار الطليعة مجلة «دراسات عربية»، عام 1964، لكنها توقفت عن الصدور بسبب أزمة مالية، كما توقفت لذات السبب، إصدارات موسمية، كمجلة «الفكر العربي»، و«الموقف»، رغم غزارة وثراء تلك المجلات، وحاجة القارئ العربي لها. ولعل «المستقبل العربي»، التي تصدر عن مركز دراسات الوحدة العربية، هي المجلة الوحيدة التي صمدت أمام الأزمات الاقتصادية في لبنان، وذلك يعود لتبعيتها لمؤسسة قومية، تحظى بحضور ودعم عربي واسع.

في مصر صدرت مجلات فكرية مهمة، إبان الحقبة الناصرية، كمجلة «الطليعة» التي رأس تحريرها لطفي الخولي، و«مواقف» التي رأس تحريرها أحمد بهاء الدين، لكنها انتهت مع التوجهات السياسية للقيادة المصرية التي تسلمت الحكم بعد رحيل عبد الناصر.

وبالإضافة إلى ذلك، جرت محاولات مماثلة في معظم الأقطار العربية، يصعب حصرها في هذه العجالة.

خلاصة القول، إن ممارسة الفكر، ليست عملاً تجارياً، ولا يتوقع ممن ينخرط في معمعتها، القدرة على مواصلة السير من غير مأسسة ودعم حكومي. دليل ذلك هو صمود المجلات التي تصدر عن مؤسسات ثقافية حكومية، وغياب تلك التي تعتمد على المبادرات الفردية. واستمرارها مهمة وطنية وقومية، إن أريد للثقافة أن تؤدي وظيفتها التنويرية، وتواصل مسيرتها بثبات ونجاح.