آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 12:22 ص

لبنان في وجه العاصفة

نجيب الخنيزي صحيفة عكاظ

يمر لبنان بمرحلة دقيقة وحرجة وحاسمة، وتعد بحق الأخطر منذ انتهاء الحرب الأهلية «1975 ــ 1990» المدمرة، حيث تتفاقم وتحتدم الأزمة الداخلية وعلى المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، كما يشتد ويحتدم الاستقطاب والصراع بين مكوناته الطائفية والمذهبية كافة، وذلك إزاء قضايا مفصلية، من بينها الموقف من قانون اللقاء الأرثوذكسي الذي يحصر انتخاب النواب المسيحيين بالقاعدة الانتخابية المسيحية.

حيث اعتبر بأنه يرسخ نظام المحاصصة الطائفية، ويتعارض مع مبدأ المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، كما يطال الخلاف طبيعة الحكومة القادمة في أعقاب استقالة رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، وتكليف تمام سلام بتشكيل الحكومة القادمة.

والتي لا تزال متعثرة رغم التوافق اللبناني والإقليمي على هذا التكليف، ويتمحور التباين الحاد حول طبيعة عمل الحكومة ومهامها، وهل تمثل حكومة إنقاذ وطني أم ستكون حكومة الغالبية النيابية، وكذلك الموقف من شرعية سلاح حزب الله الذي يصر بدوره على ثلاثية الدولة والشعب والمقاومة، وبأن سلاحه هو الذي حرر جنوب لبنان من الاحتلال الإسرائيلي في عام 2000، وأفشل العدوان الإسرائيلي على لبنان في عام 2006.

في حين تطرح المعارضة، بأن سلاح حزب الله لم يعد شرعيا بعد استكمال التحرير، وصار ضروريا تأكيد شرعية احتكار الدولة للسلاح، ولاستراتيجية الدفاع عن لبنان. على صعيد آخر، تستمر وتتفاقم الأزمة الاقتصادية/ الاجتماعية، وتتصاعد مستويات البطالة والفقر وتردي الخدمات التعليمية والصحية.

كما أصبح لبنان وعلى نحو متزايد رهينا للتجاذبات والصراعات الإقليمية والدولية، خصوصا أنه لم يعد محصنا رغم الحديث المتكرر عن النأي بلبنان عن الصراع الجاري في سوريا، من امتداد لهيب الصراع الدموي الدائر فيها، والذي ينحدر بسرعة إلى حرب أهلية مدمرة، ستكون لها تأثيراتها المباشرة وغير المباشرة على الأمن والاستقرار في عموم المنطقة والعالم، وعلى لبنان على وجه الخصوص، نظرا للتداخل الجغرافي والاجتماعي والعائلي والاقتصادي والأمني والسياسي بين البلدين، ودون أن نتجاهل تأثير وأبعاد وجود مئات الآلاف من النازحين السوريين في لبنان من جهة، وانقسام الموقف اللبناني الداخلي إزاء ما يجري في سوريا.

والذي وصل حد المساندة المادية والمشاركة العسكرية، لدعم النظام أو المعارضة على حد سواء من جهة أخرى، واللافت أنه وبعد التجارب المريرة والحروب الداخلية المدمرة التي حولت لبنان إلى ساحة للتدخلات والحروب الخارجية، فإن اللبنانيين أجمعوا في اتفاق الطائف 1989 م على خيار كون لبنان هو وطن نهائي لكل اللبنانيين، وعلى ضرورة احترام خياراته الوطنية وعروبته وتفاعله مع قضايا الأمة العربية، والابتعاد به عن التجاذب والصراعات الإقليمية التي حولته إلى ساحة لصراع الآخرين على أرضه.

كما دعا إلى قيام حكومة وفاق أو اتحاد وطني، وتحويل لبنان إلى دائرة انتخابية واحدة، ونبذ اللجوء إلى العنف والصراع لحل الخلافات والتناقضات بين المكونات والطوائف في لبنان، وصولا إلى إقامة الدولة اللبنانية الحديثة.

غير أن الوقائع على الأرض تؤكد أن الطريق لتحقيق ذلك ما زال شاقا وطويلا، وتكتنفه العديد من العقبات والمطبات الداخلية والخارجية، ومع أن العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان بين مدى قدرة المقاومة اللبنانية والدولة والشعب اللبناني على الصمود والتلاحم والتضامن في وجه آلة التدمير الإسرائيلية، غير انه أوضح ــ في الوقت نفسه ــ مدى ضعف وهشاشة الدولة اللبنانية وعدم قدرتها على التصدي للعدوان ومخططاته الخطيرة، إلى جانب التحديات والمخاطر الداخلية والخارجية المختلفة.

وقبل كل شيء الفشل في إقامة وبناء الدولة العصرية الحديثة، والذي انعكس في الشكوك وغياب الثقة المتبادلة بين مكوناتها الأساسية، وذلك منذ إعلان استقلال لبنان في عام 1943، والذي استند ــ آنذاك ــ إلى التعاقد الحر «الميثاق الوطني» بين مختلف التكوينات والطوائف اللبنانية، وقبل كل شيء بين المسيحيين «الموارنة» والمسلمين «السنة»، وبالتالي تحول الميثاق من مشروع دولة إلى صيغة للمحاصصة الطائفية، وبالتالي لم يستطع لبنان الاستمرار والتطور كدولة ووطن.

بمعنى بناء وترسيخ مقومات الولاء الوطني على حساب الانتماءات الطائفية والمناطقية والعشائرية، وذلك من خلال تأسيس مقومات الدولة الحديثة العابرة للطوائف والتكوينات الخاصة، والتأكيد على دولة كل المواطنين «الدين لله والوطن للجميع» المتساوين في الحقوق والواجبات، والتي يكفلها الدستور وترسخها السلطات «التنفيدية والتشريعية والقضائية» والمؤسسات الرسمية والأهلية ومنظمات المجتمع المدني.

والتي بموجبها تكون الدولة قادرة على احتواء أو تقبل صراع وتنافس القوى السياسية فيها على أساس سلمي، غير أن ذلك لم يتحقق، حيث حافظت البنية الطائفية على وجودها من خلال ترسيخ صيغة الدولة ــ المزرعة، لنظام السيطرة والامتيازات والمحاصصة الطائفية، ما دفع وانحدر بالتنافس والصراع السياسي إلى مستوى العنف والصراع المسلح، والحروب الأهلية، وأصبحت الدولة عاجزة عن احتواء وضبط التدخلات والتأثيرات الخارجية.