آخر تحديث: 12 / 11 / 2019م - 12:40 ص  بتوقيت مكة المكرمة

عقلية التغيير الإجتماعي...

عقيلة آل حريز *

عندما نلقي نظرة على الأحداث في أي مجتمع كثقافة إجتماعية عامة، يمكننا أن نقرأ فيها مجموعة من القيم، والمعتقدات، والأعراف، والدين، التي يسيرها الناس عادة وفق ما تقتضيه ثقافتهم، ونمطية حياتهم المحاكاة، وقد لا تكون هذه القيم مقبولة كسلوك طبيعي، أو شرعي يمكنها أن تدعي الارتكاز عليه. ولذا فإن برمجة كل هذه الأمور بطريقة معقولة يضمن للمرء توافق متسق مع ما يريحه وما يقبله محيطه، أمر يحتاج لعملية مهمة من التغيير.

وعندما نتحدث عن آلية الإنسان في التغيير، وقدرته على الأخذ بمفهوم الأصلح والأنسب، لصالح تطوير حركته الاجتماعية والانتفاع بتشرعيات العقيدة، فهذا لا يعني إحداث ثورة انقلاب ومعارضة لما تعوده الناس وما ألفوه منذ عصور.. على الإنسان واقعاً أن يغير وفق ثقافته وتجربته ورؤيته للحياة، تحت سقف الدين والمجتمع، وأن لا يكتفي بكونه مجرد ناقل لما اعتاده وعاشه، وبالتالي يعيش أبنائه في نفس الدائرة التي عاشها، فما يناسب الناس بالأمس ليس بالضرورة مناسب للناس اليوم، وليس معنى هذا تبديل وتغيير متعمد أو إحداث ثغرة ما لقلب المجتمع، أودعوة لخرق العادات والأعراف والتقاليد الممارسة، فليست كلها صحيحة وليست كلها قابلة للتطبيق، وليست كلها أيضا لا يمكن الالتفاف حولها ومحايلتها إن ثبت لنا العكس..

اللذين يرون العالم من منظور موحد ووحيد، أولئك اختاروا لأنفسهم منطق العزلة والإقصاء، فالحياة تتغير شاءوا أم أبوا.. وفي هذا التغير حياة أخرى ينتظرها جيل لم يعش ما عاشوه.. أتحدث هنا عن الممكن.. فالناس لم تعد تعيش رهينة مجتمعات مغلقة لا تستوعب تفاصيل الأمور حولها، أصبح الكل واقعا يقرأ ما يجري ويلاحظه ويصنفه ويحلله وفق ما يراه، بعد أن اختلطت تجربته الإنسانية والثقافية والفكرية برصيد واسع من تجارب الناس وثقافتهم، واكتشف أن التوقف عند مفصل واحد من الحراكات الاجتماعية والفكرية يعني الجمود الذي يؤدي للإنقبار.

برأيي أن كل فرد.. أي فرد، هو بحد ذاته يعتبر كيان مستقل وله أسلوب مختلف حتى عن نفسه في فترة معينة ومرحلة عمرية عاشها وسيعيشها، بالتالي لا بد من المرونة.. لأن النمط المبتور لعملية المعايشة مع الواقع هي ظلم، ليس للجيل الذي يعيشها فحسب، بل لمن ستنتقل إليه كموروث ثقافي محسوب على أنه مؤطر بالشرع، فينشأ هذا الجيل ثقيل الخطى غير متوازن الفكر، بليد في سرعة التقبل، مجحف في وضع الأمور في نصابها الصحيح، وغير قادر على البرمجة الحية للواقع.

عادة ما أتناول في دائرة حديثي مع حالاتي وحتى محاضراتي محاور تتحدث عن المرء ككيان خالص مستقل، من حقه أن يعيش حياته بصورة صحيحة خالية من التبعية لأفكار الغير، وعليه بالتالي التعديل والتطوير لا أن يبدو كببغان يردد ويمارس نفس الأشياء التي رأى غيره يمارسها، كأنها تميمة أو صلاة مفروضة لا تقبل المسايرة. وهذا القول يتماهى مع العقل والدين الذي يرفض أن نكون مثل الحمار يحمل أسفارا.. خاصة ونحن نفلسف الأمور على غير طبيعتها ونؤولها وفق مصالحنا وغاياتنا.

فأن تأخذ آراءك وتجربتك بعين العقل في سقف الدين لا يعني أن تخترق قانون العرف والمجتمع، فليست كلها مهيمنة ومفروضة بطريقة تصلح للتطبيق ويمكنك أن ترضخ لها، كما أن هناك نسبة من المرونة يمكنك أن تبدأ منها.. وكلما آمن الفرد بأن من حقه أن يضيف لما حوله وفق تجربته وتماهيه مع الثقافة التي اكتسبها وعايشها، ووفق منطق موحد صحيح، كلما أحسن في تحريك واقعه وتنظيمه، وكلما كانت طرقه التي يتبعها عقلانية كلما تمكن من إحداث إضافة اجتماعية يحتاجها مجتمعه كي يحصل الحراك الصحيح المطلوب..

أتذكر قصة طريفة تداولت قبل فترة، تعكس هذا المضمون، كانت عن فتاة تزوجت حديثا، كلما طهت السمك لزوجها قطعت ذيله ورأسه، سألها زوجها مستغربا عن السبب فيما تفعل، فقالت وجدت والدتي تفعل، وبالعودة للأم تبين أنها تقليد متوارث من الجدة، وبالرجوع أخيرا لملفات الجدة وفتح النقاش معها، ضحكت فقالت: كانت مقلاتي صغيرة ولم يكن من امكانية لشراء واحدة أكبر، لذا لم تتسع مقلاتي للذيل والرأس ففضلت قطعهما..!، أي أن الأمر لا علاقة له بالطهي ولا بطريقة الاعداد..!

كثيرون يرفضون التغيير لأنهم يعدوه خروج عن المألوف، وشبه انتهاك للشرعية الدينية، بينما في الحقيقة ليس الأمر على هذا النحو فالتغيير قبل أن يكون عملي هو في الفكر والتقبل والإسلام منفتح لدرجة أنه ينادي به طالما فيه إضافة لصالح الإنسان. لكننا للأسف صرنا نقدم الموروثات العرفية المجتمع على الشرع في كثير من الامور ولا نلتفت حتى له لصحة ما نمارس منها.

وفلسفة الاستقلالية والتغيير فلسفة ليست صعبة لكن الكثيرين لا يتقنوها إما رفضا لها أو ليتجاوزها بصورة فادحة.. لذا من يجد لديه القدرة على التغيير حتى إن كان تغيير بسيط أو جزئي عليه أن لا يتوانى.. فلا يكتفي بغلق نفسه ونمط حياته على احتمالية القبول أو الرفض فهما ليسا معيقان تماما إن أحسن المعالجة.. ثمة أمور يبتدأها في محيطه وعائلته الصغيرة بإمكانها ترك انعكاس واضح لما سيحققه مستقبلا.

قاصة وأديبة وصحفية سعودية «القطيف»