آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 12:22 ص

النكبة الفلسطينيّـة

نجيب الخنيزي صحيفة عكاظ

أحيا الفلسطينيون يوم الأربعاء الماضي، الذكرى الخامسة والستين «للنكبة» المؤرخة في 15 مايو عام 1948م وشملت فعاليات هذا اليوم الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، إلى جانب بلدان عربية وأجنبية، وتضمنت مسيرات واعتصامات ومهرجانات سياسية وثقافية وفنية، وقد تخللتها اشتباكات عنيفة مع الشرطة الإسرائيلية وخصوصا في الضفة الغربية ومدينة القدس الشرقية، مخلفة وراءها العشرات من الجرحى والمعتقلين الفلسطينيين.

وشاركت في تلك المسيرات الجماهير والتنظيمات الفلسطينية على اختلاف انتماءاتها، كما جرى تنظيم اعتصام حاشد مماثل في مدينة صيدا اللبنانية ضم الألوف من اللبنانيين واللاجئين في المخيمات الفلسطينية في لبنان، حيث خاطبهم الزعيم الوطني اللبناني البارز الدكتور أسامة سعد معروف، بتأكيده على محورية ومركزية القضية الفلسطينية لدى الشعوب العربية وأهمية التصدي لمحاولات تمزيق وحدة المجتمعات والبلدان العربية عبر افتعال صراعات طائفية ومذهبية واثنية لن تستفيد منها سوى إسرائيل وحماتها..

أكد الفلسطينيون في اعتصاماتهم وفعالياتهم المتعددة على أن حق العودة لا يسقط بالتقادم، ورفض كل مشاريع التوطين أو الوطن البديل، وطالبوا الفصائل الفلسطينية بتحقيق المصالحة والوحدة الوطنية على قاعدة الحقوق الفلسطينية الثابتة.

من هذا المنطلق يتعين دفع الجهود لخلق مستلزمات استنهاض جديد للقوى الفلسطينية والعربية من أجل ضمان وفرض تنفيذ القرارات الأممية، ومن بينها القراران «242،، 338» اللذان ينصان على انسحاب إسرائيل من كافة الأراضي التي احتلتها في يونيو 1967م، والبدء بتسوية سياسية عادلة تتضمن قيام دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وكذلك تنفيذ القرار رقم 194 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 11/ 12/ 1948م والذي يتضمن حق العودة لجميع اللاجئين الفلسطينيين.

في ظل التحولات والتغييرات المتسارعة في العالم العربي، تجرى محاولات محمومة لتحجيم القضية الفلسطينية أو القفز عليها من خلال التركيز فقط على القضايا والهموم القطرية / الوطنية الضيقة، أو تظهير مخاطر حقيقية أو وهمية بديلة أخرى.

لا يمكن على الإطلاق الفصل بين ما يحدث في العالم العربي من حركات واحتجاجات شعبية بعض دوله، ومن أجل الحرية والمواطنة المتساوية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وبين واجب إبداء التضامن وتقديم كل أنواع الدعم المادي والمعنوي والسياسي لكفاح الشعب الفلسطيني، الذي قاوم ويقاوم ويتصدى ببسالة للاحتلال والتسلط الإسرائيلي على مدى عقود، وبما في ذلك مقاومة تذويب وطمس هويته الوطنية، وقدم من أجل ذلك مئات الالوف من الشهداء والجرحى والمعتقلين، ناهيك عن وجود ملايين اللاجئين الفلسطينيين في ديارهم ومناطق الشتات في العالم..

القضية الفلسطينية هي قضية ومصلحة وطنية وقومية ودينية «إسلامية، مسيحية» وأخلاقية وإنسانية عادلة بامتياز. ولا يجوز لأي طرف دولي أو عربي، وخصوصا أي طرف فلسطيني، التلاعب والتضحية بها وتوظيفها خدمة لأغراض ومصالح نفعية وأنانية وذاتية. لذا فإن بقاء وتصاعد الصراع الفلسطيني الداخلي سيعطي إسرائيل مزيدا من الوقت لترسيخ احتلالها وتوسيع مستوطناتها، ومد مزيد من الجدران العنصرية، وتغيير الخرائط والطابع الديموغرافي، والمعالم الدينية والتاريخية في القدس الشرقية وغيرها من المناطق في الأراضي المحتلة على حساب السكان الفلسطينيين. كما سيسوغ لإسرائيل الاستمرار في تسويفها، ومماطلتها، وتنصلها من عملية السلام، ودفع استحقاقاته، على الرغم من التنازلات المذلة والمجحفة من قبل العرب والفلسطينيين.

ويجري ذلك في ظل التفكك والانقسام والتخاذل والضعف وغياب الثقة المتبادلة، وانعدام أبسط مقومات التضامن والتعاون والتنسيق العربي، وهو ما مكن إسرائيل من الاستفراد بالأطراف والمسارات المتعددة كلا على حدة، وممارسة أقصى ما يمكن من الضغوط والاستفزاز بقصد الحصول على أكبر قدر من التنازلات الفلسطينية والعربية، وفرض شروطها الخاصة، بما في ذلك مختلف أشكال التطبيع، والاعتراف بيهودية الدولة الإسرائيلية، وبشرعية مستوطناتها في المناطق المحتلة، وما تصفه بعاصمتها الموحدة والأبدية القدس، مستندة في ذلك إلى اختلال ميزان القوى لصالحها على الأصعدة العسكرية والسياسية والاقتصادية والعلمية، ناهيك عن دعم الإدارات الأمريكية المتعاقبة لها على طول الخط..

إن فرض أي تغيير في الموقف الإسرائيلي وموقف حماتها يتطلب بالضرورة مراجعة شاملة للموقف العربي، مراجعة تستند إلى تصليب الموقف العربي العام والموحد، وتوظيف مقومات القوة الاقتصادية كالموارد النفطية والمالية الضخمة والموقع الجيوسياسي المهم التي تمثلها المنطقة العربية، في التأكيد على الثوابت الوطنية الفلسطينية، وحماية المصالح العربية العليا، والتي لا يجوز القفز عليها أو تجاهلها من أي جهة وتحت أية مبررات ومسوغات.