آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 10:57 ص

شعب «مفهِّي»

حسين العلق *

لو قدر لصاحب «أخبار الحمقى والمغفلين» أن يعود للحياة فلن يجد أفضل من المتطرفين السعوديين تجسيدا لكتابه القيّم. فكلما مرّ الزمن ظننا أن قسطا من مغفلينا سيتعظ من أخطاءه بل خطاياه التي زجت بالمئات من خيرة شباب هذا الوطن في أتون حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل. لكنها «إلا الحماقة أعيت من يداويها»!.

ان متطرفو بلادنا من سنخ عجيب ربما لا يضاهيه أحد في الدنيا. فقد رأينا أشكالا من المتطرفين في مختلف بلاد العالم، سمتهم الغالبة أنهم ينشطون في تطرفهم استجابة لأيدلوجية خاصة أو سعيا وراء مصالح ضيقة، لكن في كل الأحوال يبقى تطرف هؤلاء ضمن مجالهم الخاص. أما متطرفونا فمن عجب نقول، أنهم يصدرون فائض تطرفهم على العالم، دون أن يعود عليهم ذلك بفائدة واحدة تذكر.

إن من يتابع مدى حماس السعوديين للحرب الأهلية في سوريا ينتابه العجب العجاب. انه استعادة حرفية للحماس الأجوف الذي جعل من شبابنا حطبا في محرقتي افغانستان والعراق سابقا. فبالرغم من كل الويلات والخسائر البشرية والمادية، لكن «لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون».

ما أراه هو أن هذا الشعب أثبت مرارا وتكرارا وبما لا يدع مجالا للشك أنه شعب بليد لا يتعظ بتجاربه. زد على ذلك بأنه لا «يذاكر دروسه» أبدا، ولذلك يسقط في كل امتحان!. وبعبارة أخرى مستمدة من بيئتنا المدرسية، هذا شعب « مفهِّي»، وهي كلمة مخففة عن كلمة ساذج ومغفل!

إن ما يدفعني للكلام هنا ليست الاندفاعة الساذجة للعوام، المنقادون نحو لهب النزاعات المشتعلة، تماما كما الحشرات في حلكة الظلام، بل المؤسف في الأمر انقياد من يصنفون أنفسهم في فئة الكتاب والمثقفين والناشطين، وإذا بهم أشد سذاجة وأكثر مزايدة من الريق الأول.

يبرر بعضهم بأن غضبته المضرية إنما تأتي تحت وقع الآلام والمجازر التي يروح ضحيتها الأطفال والنساء، وهذا نصف الحكاية فقط. لكن النصف الآخر الذي لا يريد هؤلاء أن يسألوا أنفسهم عنه، هو عن سرّ الحماس المنقطع النظير للخوض «فقط» في النزاعات التي تتقاطع فيها مصالح الأنظمة السياسية المحرضة والممولة، في حين لا نكاد نسمع لكم حسيسا ازاء المجازر التي يتعرض لها المسلمون في مناطق أخرى في بورما والصومال وقبلهما فلسطين مثالا.

الأمر الواضح أن هناك من يستخدم شباب هذا البلد بيادق في حروب عبثية بين قوى دولية واقليمية غرضها الأول والأخير اعادة رسم الخرائط وتوسيع دائرة المصالح، أما قصة الدفاع عن المظلومين والتعاطف مع آلام الضحايا ونصرة أتباع هذا المذهب أو انقاذ تلك الطائفة، فما كل تلك إلا ذرائع تضحك بها فضائيات الإستبداد على ذقون الحمقى والمغفلين.

إن المسئولية الأولى «يفترض» أن تقع على عقلاء ومثقفي البلاد في تحذير الناس من الوقوع في شرك المحارق العبثية، مدفوعين بزعيق المنابر وخرافاتها وطبالي الإعلام وخوارقه، فهؤلاء أبعد ما يكونون عن الدين، بل لا شغل لهم في الحقيقة إلا تطويع شباب ومقدرات هذه البلاد خدمة لأجندة لا ناقة لنا فيها ولا جمل.

كاتب سعودي