آخر تحديث: 5 / 12 / 2021م - 2:50 م

«طالبان» والخلل في موازين القوى

يوسف مكي * صحيفة الخليج الإماراتية

خلال أسبوع واحد، تساقطت المناطق الأفغانية، بشكل سريع الواحدة تلو الأخرى، بيد حركة طالبان. وعند كتابة هذه السطور كانت الحركة قد دخلت إلى كابول دون أي مقاومة تذكر.

هذا الحديث، غير معني بتفاصيل الحدث، قدر وضعه في سياق التحولات في موازين القوى الدولية، التي بدأت منذ قرابة عقدين، في التحول، لغير صالح الولايات المتحدة الأمريكية، وحلفائها بالناتو.

لقد كان الغزو السوفييتي لأفغانستان، عام 1980، المحاولة الأخيرة، للسوفييت لتأكيد حضورهم على الساحة الدولية، ومحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، بعدما دقت شيخوخة النظام، وعجزه على مواجهة الأزمات الاقتصادية الحادة التي تمر بها البلاد، المسامير الأخيرة، في نعش الامبراطورية السوفييتية.

لقد شجعت الولايات المتحدة، أثناء إدارة الرئيس رونالد ريجان التيارات الإسلامية المتشددة، ودعمت قادتها، وقدّمت لها الأموال والسلاح، واستقبل الرئيس الأمريكي، قادتها بالبيت الأبيض، وبارك حركاتهم. واستمر التحالف بين الإدارة الأمريكية، والتنظيمات الإسلامية، بما فيها تنظيم القاعدة، حتى هزيمة الجيش السوفييتي. ولم يمض سوى وقت قصير، حتى أودي بالنظام الشيوعي، وتفكك الاتحاد السوفييتي، ليحل محله الاتحاد الفيدرالي الروسي. وانتهت حقبة الثنائية القطبية، وتربعت أمريكا قطباً وحيداً على عرش الهيمنة الدولية.

ويبدو أن قدر أفغانستان، أن تكون نقطة البداية في انهيار النظام الدولي المستند إلى الثنائية القطبية، في نهاية الثمانينات من القرن المنصرم، وقدرها أيضاً، أن تكون بوابة الانتقال إلى مرحلة تعدد الأقطاب، في النظام الدولي المرتقب.

فرغم أن أفغانستان، بلد فقير بمصادر محدودة، وبتركيبة قبلية وتنوع في المذاهب والأعراق، ولا تملك أي حدود بحرية، إلا أن قربها من الصين وروسيا، وتلامس حدودها مع إيران وباكستان، منحها أهمية استراتيجية كبرى، في السياسة الدولية. كما أن بها مضيق خيبر، الاستراتيجي الذي يربط طريقاً من شرق آسيا إلى غربها، والعكس صحيح. ولذلك كانت باستمرار موضع اهتمام القوى الكبرى.

تنافس الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة بشكل خاص في الهيمنة على البلاد، وبشكل خاص أثناء استعار الحرب الباردة. وكان الشاه محمد ظاهر آخر ملوك أفغانستان، صديقاً مقرباً لشاه إيران، وحليفاً للغرب. لكن إسقاط حكمه في يوليو 1973، وقيام نظام جمهوري قد مكن السوفييت من تحقيق اختراقات قوية في البلاد، توجت باحتلال أفغانستان عام 1980.

بسقوط الاتحاد السوفييتي، حكمت أفغانستان من قبل تحالف شاركت فيه القبائل الرئيسية. وفي عام 1996، تمكنت الحركة الإسلامية المتشددة، «طالبان» من اجتياح أفغانستان، وتفردت بالحكم. وبدأ الخلاف يحتدم بين الحركة وبين الإدارة الأمريكية، في عهد الرئيس بيل كلينتون، عندما استقبلت «طالبان» زعيم «القاعدة» أسامة بن لادن، بعد نفيه من السودان.

لكن الأمور تدهورت بشكل متسارع، في عهد الرئيس جورج بوش الابن، حين أقدم تنظيم القاعدة، على تدمير برجي مركز التجارة الدولي في نيويورك، في 11 سبتمبر 2001. وطلبت الإدارة الأمريكية من قيادة «طالبان» تسليمها بن لادن للتحقيق معه ومحاكمته على دوره في أحداث سبتمبر، لكن «طالبان» رفضت الاستجابة للمطلب الأمريكي.

وإثر حوادث سبتمبر، أعلنت إدارة بوش حرباً عالمية على الإرهاب، كان احتلال أفغانستان، بدايتها، ليعقبها احتلال العراق، تحت ذريعة امتلاكه لأسلحة دمار شامل، وإقامته علاقات مفترضة مع تنظيم القاعدة.

ورغم كل الوعود التي بذلتها الإدارة الأمريكية، بإقامة نظام عصري ديموقراطي في أفغانستان، فإن تجربة الاحتلال الأمريكي، لم تختلف عن سابقاتها وما بعدها من الاحتلالات، حيث ينصب المحتل أتباعاً له، في أعلى المناصب، يكون جل اهتمامهم تجميع الثروة والسلطة، بدلاً من إجراء إصلاحات جذرية من شأنها أن تنقل الأوطان من حال إلى حال.

يضاف إلى ذلك، أن الشعوب بطبعها، ترفض الاحتلال الأجنبي، وتعتبره تحدياً لكرامتها ولحقها في الاستقلال وتقرير المصير.

لقد أدى الفشل في بناء دولة عصرية، وتفشي ظاهرة المحسوبية والفساد، إلى انتعاش جديد لحركة طالبان، تزامن، مع اختلال في موازين القوى الدولية، لصالح الصين وروسيا. وقد كان من نتائج ذلك، أن برزت «طالبان» بشكل، أكثر رصانة وعقلانية من المرة السابقة، وفتحت قنوات اتصال مع روسيا والصين، وباكستان وإيران، سهلت مهمة اجتياحها الجدي لأفغانستان.

ورغم أن الوقت مبكر جداً للحكم على الأحداث، لكن التاريخ لا يعيد نفسه، والأحداث الجديدة، لن تكون استنساخاً من الماضي.