آخر تحديث: 28 / 10 / 2021م - 7:36 م

الصداقة الناجحة في كلمات الإمام الرضا (ع)

الشيخ عبد الله اليوسف *

تعد الصداقة الناجحة أحد مقومات النجاح والسعادة في حياة الإنسان، والصداقة الحقيقية هي التي تنشأ بين شخصين أو أكثر، وتجمعهم مشاعر المحبة والمودة والصدق والإخلاص والوفاء.

ولأن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، فلا يستطيع أن يعيش منعزلاً لوحده، بل يستأنس بمصاحبة الآخرين ومصادقتهم، وكلما كانت علاقات الإنسان متعددة وأصدقاؤه كثيرون شعر بالسعادة والراحة، وفتحت أمامه أبواب النجاح.

ومن التوفيق قدرة الإنسان على كسب الأصدقاء الصادقين، وتكوين العلاقات الإنسانية الناجحة، والإستزادة من الأصدقاء الطيبين، والإكثار من الإخوان المؤمنين، لما لتكوين الصداقات الناجحة من فوائد وآثار إيجابية في الدنيا والآخرة، ولذا ورد الحث على كسب الأصدقاء والإكثار منهم، فقد روي عن رسول اللَّه أنه قال: «استَكثِروا مِنَ الإِخوانِ؛ فَإِنَّ لِكُلِّ مُؤمِنٍ شَفاعَةً يَومَ القِيامَةِ» [1] .

وروي عن الإمام الصادق: «أكثِروا مِنَ الأَصدِقاءِ فِي الدُّنيا؛ فَإِنَّهُم يَنفَعونَ فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ؛ أمَّا الدُّنيا فَحَوائِجُ يَقومونَ بِها، وأمَّا الآخِرَةُ فَإِنَّ أهلَ جَهَنَّمَ قالوا: ﴿فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ‏[2] » [3] .

مقومات الصداقة الناجحة

أشار الإمام الرضا في أقواله وكلماته وحكمه القصيرة إلى مقومات الصداقة الناجحة، ونوجزها في النقاط الآتية:

1 - الحب في الله:

من أهم مقومات الصداقة الناجحة أن يكون منطلقها إيماني، فيكون الحب والبغض لله سبحانه، ولذا روي عن الإمام الرضا: «مَنِ اسْتَفادَ أخاً في اللَّهِ عزّ وجلّ استَفادَ بَيْتاً في الجَنّةِ» [4] . فكسب الأصدقاء والاستزادة منهم، ومحبتهم لله عز وجل فيه ثواب جزيل وفضل عظيم، وهو حيازة بيت في الجنة.

وأما الصداقة القائمة على المصالح المادية فقط، والمتجردة من أية قيم أو مبادئ أو أخلاق فإنها تفشل عند أقل خلاف أو تعارض في المصالح؛ وأما الصداقة المرتكزة على الإيمان، فإنها تكون صداقة قوية وعميقة ومستمرة؛ لأنها تتصف بالصدق والإخلاص والوفاء.

2 - التواضع:

من مقومات الصداقة الناجحة: التواضع للصديق، وعدم التعالي عليه، أو معاملته بتكبر وترفع، لأن هذا يفسد الصداقة، لما روي عن الإمام الرضا أنه قال: «اصحَبِ... الصَّديقَ بِالتَّواضُعِ» [5] .

ومن صور التواضع: أن تبادر إلى إعطاء أصدقائك ما تحب أن تُعطى إياه، وإكرامهم بالهدايا والعطايا، لما روي عن الإمام الرضا أنه قال: «التَّواضُعُ أن تُعطِيَ النّاسَ ما تُحِبُّ أن تُعطاهُ» [6] .

والمستفاد من هذا الحديث أيضاً عدم التعالي على الأصدقاء أو التكبر والترفع عليهم، بل أن تتواضع لهم، وتعاملهم بأريحية وبساطة، وبدون تصنع وتكلف، وإن كنت أنت أرفع منهم منصباً أو علماً أو شأناً.

إن التعامل بتواضع مع الأصدقاء، وخفض الجناح لهم ولين الجانب معهم مما يزيد من تقوية عرى الصداقة، وينمي من تماسكها وقوتها.

3 - الاحترام المتبادل:

الاحترام المتبادل بين الأصدقاء من مقومات الصداقة الناجحة، وهو عنصر مهم في تمتين الصداقة واستمرارها؛ وأما غياب الاحترام بين الأصدقاء فيؤدي إلى قطع الصلة بينهم، وإفساد الصداقة وتدميرها.

ومن مصاديق الاحترام والتقدير للصديق أن تكنيه في حضوره، وتسميه في غيابه، لما روي عن الإمام الرضا: «إِذَا ذَكَرْتَ الرَّجُلَ وَ هُوَ حَاضِرٌ فَكَنِّهِ، وَ إِذَا كَانَ غَائِباً فَسَمِّهِ» [7] .

4 - تبادل المشاعر الإيجابية:

تبادل المشاعر الإيجابية بين الأصدقاء كالابتسام في وجوههم، والتودد لهم، ومجاملتهم بكلام لبق ولطيف؛ كلها أمور تقوي الصداقة، وتزيد من متانتها وصلابتها، ولذا حثّ الإمام الرضا على التبسم عند ملاقاة الصديق المؤمن، قائلاً: «مَن تَبَسَّمَ في وَجهِ أخيهِ المُؤمِنِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ حَسَنَةً، ومَن كَتَبَ اللَّهُ لَهُ حَسَنَةً لم يُعَذِّبهُ» [8] .

ومن المشاعر الإيجابية: التودد إلى الأصدقاء وإظهار الاهتمام بهم، وإعلامهم بمحبتك لهم، فكن ودوداً في تعاملك مع أصدقائك ومعارفك، ولطيفاً معهم، فقد روي عن الإمام الرضا أنه قال: «التَّوَدُّدُ إِلَى النَّاسِ نِصْفُ الْعَقْلِ» [9] .

وأما ملاقاة الأصدقاء بوجه متجهم عبوس، وثغر لا يبتسم فهذا مما يفسد الصداقات والعلاقات الاجتماعية العامة.

5 - العطاء والمساعدة:

من أهم مقومات الصداقة الناجحة أيضاً: هي صفة العطاء والمساعدة للأصدقاء وخصوصاً عند الحاجة والضيق، والعطاء مفهوم واسع لا يقتصر على القضايا المادية، بل يشمل القضايا المعنوية أيضاً كالوقوف بجانب الأصدقاء في أفراحهم، ومواساتهم عند أتراحهم.

وقضاء الحوائج ومساعدة الأصدقاء في تفريج كربهم وهمومهم من أنواع العطاء التي أشار إليها الإمام الرضا بقوله: «مَن فَرَّجَ عن مُؤمِنٍ فَرَّجَ اللَّهُ عن قَلبِهِ يَومَ القِيامَةِ» [10] . وعنه قال: «مَن فَرَّجَ عن مُؤمِنٍ كُربَةً مِن‏كُرَبِ الدنيا فَرَّجَ اللَّهُ عَنهُ كُربَةً مِن كُرَبِ الآخِرَةِ» [11] .

ما يفسد الصداقة

أوضح الإمام الرضا بعض الأمور التي تفسد الصداقة وتهدمها، ومنها:

1 - الجهل:

ينبغي أن يحرص الإنسان على اختيار أصدقاء جيدين، ويتصفون بالأخلاق والعلم والفهم والحكمة والكرم وغيرها من الصفات الإيجابية، وتجنب مصادقة من يتصف بالجهل، أو الحمق، أو الكذب، أو البخل وغيرها من الصفات السيئة، وقد أشار الإمام الرضا إلى بعض هذه الصفات بقوله: «خَمْسٌ مَنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ فَلَا تَرْجُوهُ لِشَيْ‏ءٍ مِنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ: مَنْ لَمْ تَعْرِفِ الْوَثَاقَةَ فِي أَرُومَتِهِ، وَ الْكَرَمَ فِي طِبَاعِهِ، وَ الرَّصَانَةَ فِي خُلُقِهِ‏[12] ، وَ النُّبْلَ فِي نَفْسِهِ، وَ الْمَخَافَةَ لِرَبِّهِ» [13] .

وقد أوضح الإمام أن مصادقة الجاهل تجلب التعاسة والشقاء والتعب، فقد روي عنه أنه قال: «صَديقُ الجاهِلِ في تَعَبٍ» [14] . فالجاهل يجر على صديقه المصاعب والمتاعب، وقد يوقعه في مشاكل عويصة؛ ولذا يجب تجنب مصادقة الجاهل، والعاقل هو من يختار الصديق الواعي لمصاحبته ومجالسته.

2 - التدخل في الخصوصيات:

من الأمور التي تفسد الصداقة: هو القيل والقال، ونشر الأسرار الشخصية للأصدقاء، والتدخل في خصوصياتهم عبر كثرة السؤال فيما لا يعنيه، لما روي عن الإمام الرضا: «إنَّ اللَّهَ يُبغِضُ القِيلَ والقالَ، وإضاعَةَ المالِ، وكَثْرَةَ السُّؤالِ» [15] . فبعض الأصدقاء قد يمارسون الغيبة والنميمة ضد أصدقائهم، وهذا مما يفسد الصداقة، بالإضافة إلى حرمة فعل ذلك.

فالصداقة لها حدود ومقومات وركائز، ويجب أن تقوم على الاحترام المتبادل والثقة والصدق والإخلاص؛ وأما نشر سلبيات الأصدقاء وخصوصياتهم فهذا ليس من الصداقة في شيء، بل أنه يفسدها.

3 - الاسترسال في الأُنس:

مما يفسد الصداقة ويخل بآدابها هو الاسترسال في الأنس، والمزاح غير اللائق، لأنه يذهب بالمهابة، لما روي عن الإمام الرضا أنه قال: «الاستِرسالُ بِالْأُنْسِ يُذهِبُ المَهابَةَ» [16] . فالمزاح الثقيل، وغياب الآداب في التعامل مع الأصدقاء يذهب بالاحترام، وهو مما يفسد الصداقة ويدمرها.

الهوامش:



[1]  الجامع الصغير: ج 1 ص 152 ح 1001، كنزالعمّال: ج 9 ص 4 ح 24642 كلاهما نقلًا عن ابن النجّار في تاريخه عن أنس؛ مصادقة الإخوان: ص 150 ح 1 عن الإمام الصادق وليس فيه «يوم القيامة».



[2]  سور الشعراء: الآيتان 100 - 101.



[3]  مصادقة الإخوان: ص 149 ح 1 عن جعفر بن إبراهيم، وسائل الشيعة: ج 8 ص 407 ح 15529.



[4]  ثواب الأعمال: 182/ 1.



[5]  الدرّة الباهرة: ص 38، ح 109؛ العدد القويّة: ص 299 ح 34.



[6]  الكافي: 2/ 124/ 13.



[7]  تحف العقول، ص: 443.



[8]  مصادقة الإخوان: ص 157 ح 1.



[9]  تحف العقول، ص: 443. بحار الأنوار: 75/ 335/ 15. الكافي: 2/ 643/ 4.



[10]  الكافي: 2/ 200/ 4.



[11]  بحار الأنوار: 71/ 233/ 28.



[12]  الارومة: الأصل. رصن - كشرف - أى استحكم واشتدّ وثبت. والنبل - بالضم -: الفضل والنجابة.



[13]  تحف العقول، ص: 446.



[14]  بحار الأنوار: 75/ 352/ 9.



[15]  تحف العقول، ص: 443. بحار الأنوار: 75/ 335/ 16.



[16]  العدد القوية: ص 297 ح 26، نزهة الناظر: ص 200 ح 431، أعلام الدين: ص 307، بحار الأنوار: ج 75 ص 357 ح 12.