آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 11:29 ص

أنا القطار السريع «أفتي» ولا أستريح

حسين العلق *

بين عشية وضحاها، باتت بلادنا تعاني من اسهال حاد في الفتاوى الطائفية. فالمتابع للصحف السعودية خلال الأيام القليلة الماضية لا يملك إلا أن يصاب بالغثيان لشد ما يرى من «ردة» على الأعقاب إلى عهد الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي حين كانت النطيحة والمتردية تلقي بغثائها التكفيري بحق طوائف الأمة ومدارسها، كلما تنفست.

ثمة أمران ملفتان هنا، الأول هو أن الهيجان التكفيري الراهن يأتي لدواع خارجية، في الظاهر على الأقل. والأمر الذي يبعث على الدهشة هو الانبعاث المفاجئ للغيرة على دماء المسلمين ضحايا النزاع السوري، فيما نامت هذه الغيرة نوم الأموات طيلة سنوات عجاف سفك فيها دماء مئات الآلاف من المسلمين في النزاعات المسلحة في الجزائر والصومال والسودان وأفغانستان وباكستان!! فما السر خلف صحوة الضمير في الشأن السوري، أم أن وراء «الأجندة الدولية» ما وراءها؟!

الأمر الثاني، هو أن المندفعين في أمر التكفير راهنا هم من ذوي المناصب والمراتب الرفيعة. ولا أظن أن الأمر يعود لقرار سابق حول قصر الفتوى على فئة محددة من العلماء، ذلك أن أبواب التكفير والشتائم الطائفية ظلت «سردح مردح»، ولاتزال بابا مشرعا أمام من هب ودب، وعلى عينك يا تاجر. ولذلك ينبغي أن نمعن النظر في الأسباب التي تقف خلف هذه الإندفاعة التكفيرية المجنونة، التي لا أراها بعيدة كل البعد عن الأجندة آنفة الذكر، تعاضدها رغبة محلية في صرف الأنظار عن معضلات الداخل بالانغماس في مشاكل الخارج، ولا ضير لو سكب الجمهور في هذا الشأن أنهارا من الدموع ونزيفا من الأموال، فلدينا منهما المزيد!

ان ما سبق من كلامنا، لا يعني التقليل بأي شأن من حجم الدمار والدماء والعنف الرهيب الذي تورطت فيه كل الأطراف المتنازعة في سوريا، والذي بات يدفع ثمنه الأبرياء قتلا وتهجيرا على الهوية. غير اننا لا نريد أن نستغفل من أي طرف من الأطراف، خصوصا أولئك الطائفيون الذين عميت أعينهم طويلا عن سيل الدماء في مختلف بقاع العالم الإسلامي، ويريدون اليوم أن يقنعونا زعما بأن قلوبهم مع الشعب السوري، وكان الأولى أن يقولوها صراحة، إن هم إلا على دين ملوكهم يميلون معهم حيث يميلون، لا أكثر ولا أقل!

من هنا نقول، إن الموجة التكفيرية المنفلتة من عقالها في الوقت الحاضر، ليست إلا جزءا مكملا للأجندات السياسية الراهنة التي تبتغي بناء «جدار عازل» بين طوائف الأمة، وبمعنى أدق إحكام الفصل بين معسكرين سياسيين لهما امتداداتهما الدولية، وصولا - ربما - إلى تهيئة الأرضية لافتعال حرب مقدسة تأتي على الأخضر واليابس في المنطقة العربية.

اللافت أن الموجة التكفيرية الجديدة تأتي بطريقة فجة لكن لا تخلو من طرافة. فقد صار التعاطي مع الفتاوى والآراء التكفيرية على طريقة كرة الطائرة، «واحد يرفع والثاني يكبس»، ثم تكر السبحة، فالأول يكفر ملايين المسلمين بجرة «حنك»، فيأتي الثاني ليشيد بالأول، ثم يأتي الثالث ويشيد بمن سبقه، وهكذا دواليك، ولم يبقى إلا أن يصطفوا جميعا وينشدوا «أنا القطار السريع "أفتي" ولا أستريح».

كاتب سعودي