آخر تحديث: 19 / 4 / 2021م - 11:42 م

حديث في التعصب «1»

بدر شبيب الشبيب *

التعصب كأي كائن آخر يحتاج دائما إلى بيئة مواتية كي ينمو فيها ويترعرع. ونحن في العالم العربي نعاني من هذا الداء العضال أشد المعاناة. وبرغم ذلك، فإن الدراسات الاجتماعية المتعلقة بهذا المرض قليلة جدا، مما يدل على الهوة الشاسعة التي تفصل بين جامعاتنا ومجتمعاتنا. فليست المسألة مقتصرة على العلاقة غير الوطيدة بين بعض التخصصات الجامعية وسوق العمل، والتي تُخرج أعدادا كبيرة تضاف سنويا لأرقام البطالة المرتفعة أصلا؛ بل إنها تتعلق أيضا بنوعية البحوث والدراسات ومدى مخاطبتها لهموم وقضايا المجتمعات التي تحيط بتلك الجامعات على كل المستويات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والسياسية.

وقد أكدت على هذا إحدى الدراسات الأكاديمية في جامعة الكويت، أجراها الدكتور علي أسعد وطفة والدكتور عبد الرحمن الأحمد، وهي بعنوان: التعصب ماهية وانتشارا في الوطن العربي. فقد كان الاعتبار الأول لأهمية الدراسة ينص على التالي: يبين واقع الحال أن الأبحاث السوسيولوجية التي تباشر قضية التعصب نادرة جدا ولا سيما في مستوى الحياة الاجتماعية العربية التي تمثله هذه القضية كما سبق أن أشرنا من حساسية وخصوصية. ويتضح من واقع الحال أن أغلب الدراسات التي تجري في هذا المدى تأخذ طابعا سيكولوجيا ونفسيا حيث يمكن تجنب هذه القضية بصورة مباشرة.

من هذا النص تتبين حساسية هذا الموضوع الشديدة، وتجنب الدراسات الأكاديمية التعاطي معه بشكل مباشر حتى لا تقع في بعض المحظورات الاجتماعية أو التابو. وهذا واحد من أسباب تخلفنا، إذ تتخوف حتى الأوساط الأكاديمية من طرح بعض القضايا والهموم الاجتماعية بصورة علمية مجردة، ولا تمتلك الجرأة الكافية لذلك بسبب عدم توفر جو الأمن الأكاديمي. بل إن بعض الدراسات العلمية يتم رفضها من الأساس أو عدم قبول نتائجها لأسباب غير علمية، وإنما بناء على معايير تعصبية بحتة.

وقد كشفت دراسة أكاديمية أجريت في الفصل الأول من العام الدراسي 2005 - 2006 حول التعصب القبلي والطائفي في الحرم الجامعي أعدها الأستاذ في كلية التربية د. عيسى الأنصاري عن قناعة الطلبة لمحاباة المجتمع الكويتي من التعصب القبلي بنسبة تأييد بلغت 69، 1%. وتبين الدراسة أن التعصب القبلي للأساتذة يبلغ أشده في كلية الشريعة بنسبة 77، 9%، كما يسجل طلاب الشريعة النسبة الأعلى بممارسة الطائفية لأساتذتهم بنسبة 56، 5%، وبالمقابل كان طلاب الصيدلة والطب يقيمون أساتذتهم الأدنى في الممارسة الطائفية بنسبة 48، 6% وبرغم القناعات المخيفة يطمح 84، 7% من الطلبة لاستئصال ظاهرة التعصب من الجامعة.

وبينت الدراسة أن طلاب العلوم الإنسانية هم الأكثر تعصبا، حيث يأخذ التعصب القبلي «مداه في كلية العلوم الاجتماعية 85، 3% ثم في الشريعة 77، 5%، تليها التربية 76، 2%، وعلى التوالي في كلية الحقوق والآداب والعلوم ثم في الطب والصيدلة وأخيرا في الهندسة، وهكذا نلاحظ أيضاً أن هذا التعصب موجود بقوة في الكليات الإنسانية وليس في الكليات العلمية، ويمكن تفسير ذلك بعدة أمور، منها ارتفاع المستوى الاجتماعي لطلاب الكليات العلمية، كما يعود ذلك إلى طبيعة الكليات العلمية التي تبث ثقافة علمية ينهمك الطلاب في تحصيلها ومتابعتها».

فإذا كان هذا واقع الحال في الوسط الأكاديمي في دولة تتمتع بديمقراطية نسبية كالكويت، فكيف سيكون الأمر خارجه وخارجها؟!

في المجتمعات المتقدمة عندما توجد ظاهرة سلبية ما تهدد الأمن الاجتماعي كحيازة السلاح والعنف في المدارس والمخدرات، تُهرع المؤسسات الأكاديمية ومراكز الدراسات والبحوث والترسانة الإعلامية الضخمة لبحثها ودراستها ومناقشتها باستفاضة واستضافة المختصين والمعنيين بها، ومن ثم وضع الحلول التشريعية والإجرائية لها. كما ينشأ عن ذلك إنشاء مؤسسات مختصة تعنى بهذه الظاهرة أو تلك عناية فائقة مركزة. أما في مجتمعاتنا العربية فإن التجاهل والإنكار هما سيد الموقف، ولا يتم الالتفات للوباء إلا حين يستشري ويكون عصيا على الشفاء.