آخر تحديث: 4 / 4 / 2020م - 4:51 م  بتوقيت مكة المكرمة

الإسلام السياسي السعودي الشيعي «8»

محمد الشيوخ *

حركة خلاص

وهي إحدى القوى السياسية الشيعية الناشئة، التي تبنت خيار المواجهة السياسية مع النظام منذ أحداث البقيع 2009م، ولا تزال تنشط ميدانيا إلى جانب قوى أخرى في توجيه حركة الاحتجاجات في المنطقة الشرقية.

فعلى خلفية الخلاف السياسي الناشئ بين رموز تيار الإصلاح الوطني في منتصف التسعينات، والمتمحور حول آلية تحقيق المطالب الشيعية، ومعالجة التمييز الطائفي، وطريقة التعاطي مع النظام السعودي، أعلن حمزة الحسن وفؤاد الابراهيم انشقاقهما عن تيار الإصلاح الوطني «حركة الإصلاح سابقا»، وقررا العودة ثانية إلى لندن لممارسة النشاط السياسي المعارض ضد النظام.

وفي عام 2008م برز الخلاف بين فرقاء العمل السياسي الشيعي للعلن، وذلك بعد أن اتخذ الحسن والابراهيم قرارا بنشر سلسلة من المقالات النقدية للمشروع السياسي لتيار الإصلاح الوطني، الذي وصفاه بمشروع «الموادعة». ولغرض الفصل بين المشروعين «مشروع الحسن الابراهيم الجديد والمسمى ب«الممانعة»، ومشروع التيار الوطني للإصلاح الذي وسماه ب«الموادعة»»، أعلن الحسن الابراهيم عام 2009م عن إنشاء «حركة خلاص»، وتدشين موقع «شبكة الملتقى» كتعبير عن الافتراق عن النظراء السابقين والدخول في حقبة جديدة من العمل السياسي المعارض للنظام، ووفق منهج مغاير لمنهج التيار الوطني، الذي بدأ عام 1994م.

ويستهدف النهج الجديد لحركة خلاص بحسب خطاباتها السياسية، واحد من أمرين: إما إخضاع النظام للقيام بإصلاحات سياسية جدية عامة تشمل جميع المواطنين، ومن بينها معالجة التمييز الذي يتعرض له الشيعة في المملكة، أو تغيير النظام جذريا، من خلال ضغط الشارع، في حال لم يستجب للإصلاحات المنشودة.

ومثلت حادثة البقيع الشهيرة عام 2009م فرصة ملائمة للإعلان عن الحركة، وقامت بإصدار أول بيان لها بعد تأسيسها ورد فيه ما نصه:

"إن ما جرى في الأيام الأخيرة من حوادث في المدينة المنورة وتالياً في المنطقة الشرقية، يكشف بوضوح عن حالة الإحباط الشديد لدى الطائفة الشيعية إزاء سياسات التمييز الطائفي التي مازالت قائمة، بل أخذت أبعاداً خطيرة، ما استوجب العمل على ضوء خيارات سياسية مختلفة، من أجل النهوض بالواقع السياسي الحالي، والدفع لناحية التغيير الجذري والشامل، كرد فعل طبيعي ومشروع على إخفاقات الدولة وإصرارها على السير في ذات الطريق التي اختارتها لنفسها إزاء الشيعة وباقي المكوّنات الاجتماعية في هذا البلد.

ونحن إذ نعلن عن تأسيس حركة سياسية جديدة بإسم «خلاص»، نهدف إلى التصدي للسياسات الجائرة التي تفرضها الحكومة ضد الشيعة بكل الوسائل المشروعة، ونؤكد على خيار تقرير المصير، بوصفه حقّاُ مشروعاً لكل الفئات المضطهدة، في حال تعثّر الوصول الى حلول جذرية وفاعلة تضع حداً نهائياً وحاسماً لمعاناة طويلة عاشها الشيعة وغيرهم في هذا البلد. إن الخلل التاريخي الذي وقع منذ تأسيس هذا الكيان، باحتكار أقلية من السكّان مقدّرات هذا البلد وتقاسم أفرادها لمصادر السلطة والثروة، كان ومازال العامل الأساسي لكل أنواع الفشل الذي لحق بسياسات الدولة وخططها، وهو المسؤول، أيضاً، عن عجزها في الإنتقال إلى دولة وطنية حقيقية، يتحقق فيها مبدأ الشراكة الفاعلة والمتكافئة بين كل المكوّنات الاجتماعية.

إن مجرد العيش في كيان تقبض على مفاصله أقلية قاهرة تفرض بوسائل غير مشروعة سيطرتها على مجالات القدرة كافة، على قاعدة مزاعم تاريخية أو عقدية، أو إجتماعية لم يعد قدراً لا يمكن الفكاك منه، بل يشكّل اليوم، وفي ظل تحولات سياسية إقليمية وعالمية وانكسار كل أشكال الحصار الثقافي والإعلامي والسياسي، حافزاً أساسياً على الإنعتاق من مصادر التخويف التي تقوم بها وسائل إعلام محلية رسمية، أو أجهزة الأمن والميليشيات المرتبطة بها. لقد حان الوقت كيما نكشف للعالم كله ما يختفي وراء دعوات الحوار الوطني، والإنفتاح، والإصلاح، من سياسات التهميش والإقصاء، ولن نتردد في التصويب باتجاه أهداف واضحة ومحددة طالما كنا نطالب بها من أجل رفع الجور بكل أشكاله عن أهلنا.

نجدد العزم على مواجهة التحديات التي تعترض طريق العمل من أجل التغيير. وإن الرهانات المعقودة على الأجيال الجديدة في مجتمعنا تمنحنا ثقة تامة بأن سبيل الخلاص تمهّد له عزيمة الرجال المؤمنين بالله سبحانه وتعالى لإحقاق الحق والعدالة. ونوجّه عناية القوى السياسية والإجتماعية والنخب الثقافية والدينية في المجتمع للإمتثال لمتطلبات المرحلة الراهنة والمصيرية، والشروط الموضوعية في التغيير، من أجل حشد الطاقات ليس على قاعدة المهادنة مع النظام والمساومة على حقوق أهلنا، فإن التجارب الماثلة أمامنا أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك بأن الاسترسال في رهانات المهادنة لم يحقق مطالبنا المشروعة، ولم يكف العدوان عن أهلنا، وباتت خياراتنا محرّرة الآن من أي التزامات من طرف واحد. وبهذه المناسبة، نمدّ أيدينا لكل الشرفاء والمخلصين في هذا البلد، ممن تقاسموا معنا المعاناة، ولزّهم ظلم التمييز على قاعدة مذهبية أو مناطقية أو قبلية، للعمل من أجل تعبئة كل الجهود لإرغام هذا النظام على التغيير الشامل الذي يحقق تطلعات كل الفئات الإجتماعية، ويقطع دابر التمييز بكل صوره".

الحركة التي أنشأت موقعا الكترونيا بأسم «مرآة الجزيرة» على أنقاض «شبكة الملتقى»، نشطت إعلاميا بعد حادثة البقيع2009م، ومن ثم اندلاع التظاهرات والاحتجاجات في المنطقة الشرقية 2011م، التي تأثرت بثورات الربيع العربي، خصوصا ما جرى في البحرين ولا زال. تركز خطابها الإعلامي المناوئ للنظام، على نقد النظام وفضح سياسته الرافضة للإصلاح، وكذلك على تشجيع الشباب للقيام بالثورة ضد النظام لإسقاطه، أسوة بالأنظمة التي سقطت بعد اندلاع ثورات الربيع العربي. وبرز مؤسسو الحركة إعلاميا من خلال اللقاءات الإذاعية والتلفزيونية المكثفة، كما سجلوا حضورهم الإعلامي المباشر أيضا من خلال وسائل التواصل الاجتماعي الجديد إلى جانب إصدار العديد من البيانات السياسية، التي يتم نشرها عبر موقعهم الالكتروني وسائر المواقع الالكترونية الأخرى.

ففي فبراير 2012م صدرت الحركة بياناً في سياق التعليق على سياسة القمع الممنهج التي ينفّذها النظام السعودي ضد سكّان محافظة القطيف، كرد فعل على حركة الاحتجاجات السلمية التي تجري في مدن وقرى المحافظة، والتي مثّلت نموذجاً متقدماً في النضال السلمي المشروع، جاء فيه" لقد أقدمت قوات الأمن السعودية في الأيام الأخيرة على اعتقال عدد من أبناء منطقة القطيف من الناشطين: شعراء ومثقفين وأدباء وحقوقيين، وكذلك إغلاق عدد من مواقع إعلامية الكترونية بعد محاولات اختراقها والتي تكشف عن وهن النظام وفشله في إسكات الإحتجاجات السلمية بالحديد والنار.

إن لجوء النظام السعودي اليوم إلى شن حملة الاعتقالات والاغلاقات إنما تهدف إلى تعطيل مفاعيل الانتفاضة الشعبية بعد أن عجزت لغة الرصاص القاتل الذي أدّى إلى سقوط سبعة من شبابنا في ساحة الشهادة والإباء في أن تخمد الغضب الشعبي إزاء سياسات التمييز الطائفي التي يتبعها النظام السعودي منذ قيام هذا الكيان القهري العام 1932 وحتى اليوم..

إننا في الوقت الذي نناشد فيه المنظمات الحقوقية الدولية والعربية بإيلاء ما يجري في المنطقة الشرقية من الجزيرة العربية «السعودية» إهتماماً خاصاً، بعد أن تخلى الأعلام الدولي عن واجبه في تغطية الحوادث الساخنة، وكشف الحقائق لما يجري في منطقتنا، فإننا نعاهد أهلنا وشبابنا على مواصلة الدرب وإيصال رسالة شهدائنا الأبرار، والدفاع عن قضايا المعتقلين من أبنائنا أمام كل المحافل الدولية، ونحمّل النظام السعودي مسؤولية كل ما جرى من قتل، واعتقال، وتحطيم للممتلكات الخاصة أو مصادرتها، وسنواصل نضالنا من أجل حقوق شعبنا وأمتنا وإقامة دولة العدل والقانون".

وبعد إغلاق السلطات السعودية في مارس 2013 جمعية حسم واعتقال رموزها، وجهت حركة «خلاص» انتقادا للأحكام الصادرة بحق اثنين من مؤسسي الجمعية، واصفة القرار ب«الانتقامي وغير العادل». كما رأت في القرار أنه يمثل استجابة لتعليمات وزارة الداخلية السعودية، التي تهدف لمحاصرة النشاط السياسي المعارض وخنق حركة الاحتجاجات الشعبية المتصاعدة في عموم مناطق الجزيرة العربية".

وناشدت «خلاص» جميع الناشطين والحقوقيين في الداخل والخارج التضامن مع هذين الرمزين، كما طالبت المنظمات الحقوقية الدولية بـ«الاضطلاع بمسؤولية الدفاع عن الحامد والقحطاني، والضغط على حلفاء النظام السعودي وخصوصاً الولايات المتحدة من أجل وقف مسلسل الانتهاكات لحقوق الإنسان، حيث لا يزال الآلاف رهن الاعتقال بسبب التعبير عن آرائهم السياسية»[1] . ومن خلال البيانات أعلاه، والنهج الذي تبنته الحركة منذ إنشائها «2009م - 2013م»، يتضح إنها تؤمن بالخيارات والمواقف التالية:

1 - التغيير الجذري والشامل للنظام السياسي، لاعتقادها بأن النظام بصيغته الراهنة لا توجد لديه قابلية للتغيير والإصلاح.

2 - عملية تغيير النظام بحاجة إلى خيارات سياسية مختلفة، أهمهما: فضح النظام، وتعبئة الشارع للجوء إلى التظاهرات والاحتجاجات، والتلويح بالانفصال لتقرير المصير، في حال عدم رضوخ النظام لمطالب الإصلاح.

3 - التواصل مع النظام والحوار معه، مضافا إلى الانخراط في المشروعات الوطنية، كالحوار الوطني أو الانتخابات البلدية الجزئية، كلها خيارات عقيمة وغير مجدية.

4 - تعول الحركة كثيرا في صراعها السياسي مع النظام على الطاقات الشبابية «الجيل الناشئ»، الذي يؤمن بالتغيير الجذري والشامل، عبر خيار الشارع، وترى فيهم الأمل الجديد.

5 - في الوقت الذي تدعوا إلى تغيير النظام تطالبه بإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية، التي يتوافق معها معظم التيارات والقوى الإصلاحية في البلاد.

ويؤخذ على الحركة، التي استقطبت بعض المجاميع الشبابية المنخرطة في حركة التظاهرات بالقطيف والتي لازالت جارية ولكن بوهج اقل، بحسب العديد من المراقبين لأدائها السياسي ما يلي:

1 - انشغال رموزها بمناكفة شركائهم الإصلاحيين في الساحة الشيعية، خصوصا نظرائهم في تيار الإصلاح الوطني، والسعي إلى تشويه وتسخيف مشاريعهم، ما أدى إلى امتعاض العديد من النخب الفكرية والسياسية من هذا النهج. بعض المراقبين لمقالات وجهود رموز الحركة منذ تأسيسها، يشعرون بأن الجهد المبذول لمناكفة الشركاء يفوق الجهد الذي صرف من أجل القضية، التي يتبنونها.

2 - غياب المشروع السياسي الواضح لدى الحركة، فعملهم الحالي لا يعدوا بحسب ناشطين سياسيين، أكثر من إعادة اجترار طروحات العمل الثوري الذي كان سائدا في ثمانينات القرن الماضي.

3 - عدم استثمار هامش الحرية المتاحة لرموز الحركة في الخارج، وذلك للقيام بإنشطة سياسية وإعلامية وحقوقية نوعية لا يستطيع الناشطون في الداخل القيام بها، وذلك لخدمة قضيتهم التي يؤمنون بها ويسعون إلى تحقيقها. ويرى العديد من الناشطين السياسيين، بأن النشاط الذي يقوم به رموز الحركة في الخارج إذا لم يكن مميزا ونوعيا، أي لا يتمكن نشطاء الداخل القيام به، فإن المعارضة في صورتها الراهنة لن تكون مجدية وفعالة.

وتزامناً مع «يوم حرية الصحافة العالمي» في عام 2013م، انطلق البث التجريبي لقناة «نبأ» الفضائية، التي سيديرها الدكتور فؤاد الابراهيم من العاصمة اللبنانية بعدما تأسس لها مكتب رديف في العاصمة البريطانية. وفي الوقت الذي سيكون هدفها المطالبة بحقوق الشيعة السعوديين، ورصدها الفوري لمجريات الأحداث والحراك الجاري في المنطقة الشرقية، ستطل المحطة، بحسب الابراهيم، على هموم جيرانها من بلدان الخليج العربي الذين تتقاسم معهم المعاناة ذاتها.

وفي الأهداف، ستحاول قناة حركة خلاص، بحسب مديرها، خرق منظومة إعلامية متكاملة تسبح في فلك الإمبراطورية السعودية وكسر هذه الأحادية في الخطاب الإعلامي الفضائي الذي يصفه «بالمسخ» و«المشوه»، موضحا بأن «قناة نبأ» ستشكل صوت المعارضة السعودية بتلوناتها المذهبية والثقافية والسياسية خلافاً لما يُشاع بأنها من طيف مذهبي واحد.

[1]  موقع شمس الجزيرة، 2013م.
http://shmsaljazereh.blogspot.com/2013/03/blog-post_5178.html
باحث في علم الاجتماع السياسي