آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 12:22 ص

مصـر.. تدشـن العـد التنازلي للإسلام السياسي

نجيب الخنيزي صحيفة عكاظ

لم يكن أحد ليتصور في داخل مصر وخارجها ــ المؤيدون والمعارضون للنظام المصري وعلى حد سواء ــ هذا السقوط السريع «الدراماتيكي» لحكم محمد مرسي، ومعه ما يعتبرهم أهله وعشيرته «حركة الإخوان المسلمين» ويستوي ذلك منظمو وقفة 30 يونيو، جبهة الإنقاذ الوطني ومعها حركة تمرد التي جمعت 22 مليون توقيع على استمارة تطالب الرئيس السابق مرسي بالاستقالة وإجراء انتخابات مبكرة. هذا السقوط المدوي جاء بعد عام على مجيء الإخوان المسلمين إلى السلطة ومحاولة فرض تسلطهم وهيمنتهم على مكوناتها، والعمل بشتى السبل على أخونة مفاصل ومقدرات الدولة والمجتمع تمهيدا لعودة «الخلافة الإسلامية العتيدة». الشعب المصري وحده هو الذي أعاد الروح لثورة 25 يناير 2011 وصنع المعجزة حين ترجم توقيعه رفضا لمرسي على الورق إلى فعل ثوري مزلزل ونزوله بعشرات الملايين إلى الساحات والميادين في القاهرة والإسكندرية وباقي المحافطات والقرى والأرياف كافة، يهتفون بشعار واحد هو «ارحل» مستعيدين الجذر الوطني/ المدني/ المجتمعي للثورة الذي غيبه حكم مرسي وعشيرته، من خلال التأكيد على حقوق ومطالب متجذرة مثل، عيش، حرية، عدالة اجتماعية، كرامة إنسانية.. ما اجترحه الشعب المصري مثل بحق ملحمة قل نظيرها في تاريخ البشرية، وفقا لقناة البي بي سي البريطانية، ومع نهاية يوم 30 يونيو أصبح حكم مرسي وأهله وعشيرته ليس في مهب الريح فقط، بل انتهى عمليا، وما سيأتي لاحقا يدخل في باب التفاصيل وإعلان مراسيم الدفن العاجل على وقع أهازيج فرح وحبور الغالبية الساحقة من الشعب المصري، الذي لم يحصد أي شيء على مدى عام، حيث شيوع الفوضى وانعدام الأمن، وارتفاع منسوب الفقر والبطالة، وتدهور الأجور، وازدياد معدلات التضخم والأسعار نتيجة انخفاض سعر الجنيه، إلى جانب تدني الخدمات الضرورية مثل الإسكان والصحة والتعليم والكهرباء والمواصلات، وشح السلع التموينية كالوقود والخبز.

الجيش المصري أصدر بيانه الأول بعد يوم واحد على اندلاع ثورة 30 يونيه معلنا فيه انحيازه الكامل لمطالب الشعب، ومؤكدا أنه لا يتطلع إلى لعب أي دور سياسي بشكل مباشر، كما أمهل الرئيس محمد مرسي 48 ساعة للخروج من الأزمة المستفحلة، ومحذرا بأنه إذا لم يتحقق ذلك فإنه سيتدخل إلى جانب الشعب ودفاعا عن مصالح الأمن الوطني المصري، وذلك من خلال رسم خارطة طريق لمستقبل مصر.. وأمام تعنت وعناد مرسي وأنصاره في مجمع رابعة العدوية، أعلن وزيـر الدفاع المصري عبد الفتاح السيسي بعد التشاور مع الفعاليات الوطنية والدينية والشبابية، جملة من القرارات الهامة من بينها إقالة مرسي، تعطيل العمل بالدستور بشكل مؤقت. إجراء انتخابات رئاسية مبكرة على أن يتولى رئيس المحكمة الدستورية العليا إدارة شؤون البلاد مؤقتا. اتخاذ الإجراءات التنفيذية لتمكين ودمج الشباب في مؤسسات الدولة ليكونوا شركاء في القرار كمساعدين للوزراء والمحافظين ومواقع السلطة التنفيذية المختلفة. تشكيل لجنة عليا للمصالحة الوطنية من شخصيات تتمتع بمصداقية وقبول لدى جميع النخب الوطنية وتمثل مختلف التوجهات. هناك مواقف ووجهات نظر لدى دوائر وقطاعات لا يمكن قصرها على جماعات الإسلام السياسي فقط بل تجدها لدى بعض القوى والنخب المرتبطة بحكم مرسي، مفادها أن الرئيس السابق محمد مرسي اكتسب شرعيته عبر صناديق الاقتراع في الانتخابات، وبالتالي هو يمثل الشرعية الدستورية، كما أنه لا يتحمل جريـرة آثام تركة نظام حسني مبارك، وبأنه بحاجة إلى مزيد من الوقت ليترجم ما جاء في برنامج «النهضة» الذي طرحته جماعة الإخوان المسلمين. غير أن المعارضة السياسية والشعبية الواسعة لها تقييمها المخالف، حيث ترى بأن مرسي جاء في أعقاب ثورة شعبية واسعة فجرها شباب المستقبل وانخرطت فيها الأطياف والمكونات المصرية كافة، وبالتالي فإن المرحلة الانتقالية تتطلب مشاركة توافقية من قبل الجميع في رسم خارطة طريق لمستقبل مصر، وهو ما يتعارض مع نهج التفرد والتمكين والغلبة لحكم مرسي وجماعته، وبالتالي فإن ما تغير هو رأس النظام فقط في حين جرى تدوير النظام القديم بمؤسساته ومكوناته وعقليته ومصالحه وفقا للمصالح القديمة/ المستجدة لجماعة الإخوان، التي بحكم نهجها البراغماتي المراوغ كانت قادرة للتكيف مع الحالات والظروف المتغيرة، وقد كان الشغل الشاغل للحكم الجديد ليس أخونة واختراق الجماعة والعشيرة لمفاصل السلطة التنفيذية فقط بل ومحاولة الاستحواذ على السلطات التشريعية «الإعلان الدستوري» والقضائية

«عزل المدعي العام وتعيين مدع عام جديد موال للرئيس» ناهيك عن محاولة إحكام القبضة على مؤسسات المجتمع المدني «احكام حل منظمات حقوقية وسجن نشطائها» والفضاء الإعلامي والمؤسسات الثقافية «التعيينات الأخيرة لوزيـر الثقافة الإخواني».. من جهة أخرى تعتبر المعارضة الوطنية والشعبية بأن فلسفة الإخوان الاقتصادية تستند إلى الليبرالية الجديدة وقوانين السوق الغابية التي تعني تعميق الفوارق الطبقية والاجتماعية وزيادة المعاناة للأغلبية الساحقة من المصريين الذين يعيش 50% منهم تحت خط الفقر.. إن مصر تدخل اليوم منعطفا تاريخيا جديدا نأمل أن يكون لخير وتطور وتقدم ونماء شعبها الأبي.