آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 12:22 ص

الإسلام السياسي.. ومنهج العنف: الإخوان انموذجا

نجيب الخنيزي صحيفة عكاظ

الحراك الثوري لملايين المصريين في 30 يونيو دشن منعطفا جديدا على صعيد تجذير أهداف ثورة 25 يناير 2011، بل اعتبرها البعض بمثابة ثورة في الثورة «استعارة لأطروحة المفكر الفرنسي روجيه دوبريه». هذا المنعطف الجديد يتسم بالسيولة والتعقيد، وتداخل وتشابك قوى وأطراف وتيارات داخلية «من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار» جمعها هدف واحد مشترك هو التخلص من سلطة مرسي وهيمنة جماعته وعشيرته على مفاصل السلطة والدولة والمجتمع، غير أنها تتباين في درجة تأثيرها في المشهد المصري العام، كما تتمايز في استهدافاتها وبرامجها وخططها الآنية «التكتيكية» والبعيدة «الاستراتيجية»، وهو ما قد يفضي لاحقا إلى خلخلة وتفكك ذلك التحالف الظرفي. مع عدم إغفال تأثير التموضعات الإقليمية والدولية الفاعلة في الداخل المصري.

نستطيع القول وبشكل عام بأن المشهد السياسي في مصر باتت تتحكم فيه أربعة قوى فاعلة، وتتمثل في: 1 ــ جماهير وقوى 30 يونيو وتحديدا جبهة الإنقاذ الوطني وحركة تمرد، 2 ــ جماعات الإسلام السياسي «الأخوان والسلفيون»، 3 ــ بيروقراطية الدولة العميقة بما في ذلك أنصار النظام السابق، 4 ــ المؤسسة العسكرية.

من بين هذه القوى تبرز المؤسسة العسكرية باعتبارها الطرف الأقوى تأثيرا والأقدر تنظيما وانضباطا، وقد أفضى انحيازها الصريح والواضح لمطالب الغالبية الساحقة من الشعب المصري إلى حسم الصراع مبكرا، وهو ما ساهم في صيانة السلم الأهلي ومنع انزلاق البلد إلى أتون المواجهة والعنف الدموي الذي كان يخطط له الأخوان وميليشياته الجاهزة منذ أمد بعيد.

الجدير بالذكر أن القوى السياسية والشعبية المعارضة لمرسي، وكذلك المؤسسة العسكرية لم يطرحوا أي فيتو على وجود ومشاركة جماعات الإسلام السياسي، وبما في ذلك جماعة الأخوان المسلمين وذراعها السياسي حزب العدالة والحرية، سواء ما تعلق منها بتشكيل الحكومة المؤقتة وجهود المصالحة الوطنية أو على صعيد صياغة الدستور، غير أن حركة الأخوان وحزبها السياسي رفضت المشاركة بشكل قاطع، متمسكة بشعار عودة الشرعية الدستورية، وإرجاع الرئيس المخلوع مرسي باعتباره الرئيس الشرعي المنتخب ديمقراطيا، غير أن حزب النور السلفي وافق بشكل عام «مع إبداء بعض التحفظات» على الترتيبات الجديدة.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما مدى صدقية الأخوان في تخليهم عن شعاراتهم المعروفة «الإسلام هو الحل» و«الحاكمية لله» ونبذهم للعنف وتبنيهم للدولة المدنية ولقواعد الشرعية وللمبادئ الدستورية والديمقراطية؟ كتب حسن البنا مؤسس جماعة الأخوان المسلمين في «رسالة دعوتنا بين الأمس واليوم» ما يلي «وما لم تقم الدولة الإسلامية فإن المسلمين جميعا آثمون ومسؤولون بين يدي الله العلي القدير عن قعودهم في إقامتها وقعودهم عن إيجادها» كما جاء في رسالته للمؤتمر الخامس للحركة «إلى الآن أيها الأخوان لم تخاصموا حزبا ولا هيئة.. هكذا في ما مضى، أما الآن وأمام هذه الخطوة الجديدة، فلن يكون كذلك.

ستخاصمون هؤلاء جميعا ــ في الحكم وخارجه ــ خصومة شديدة إن لم يستجيبوا لكم، ويتخذوا تعاليم الإسلام منهاجا يسيرون عليه ويعملون له، فإما ولاء وإما عداء» وجاء في موضع آخر في الرسالة «الإخوان المسلمون يعلمون أن أول مراتب القوة هي قوة العقيدة والإيمان، ثم تليها قوة الوحدة والارتباط، ثم بعدها قوة الساعد والسلاح»، كما جاء في نفس الرسالة «في الوقت الذي يكون فيه لكم معشر الإخوان المسلمين ثلاثمئة كتيبة قد جهزت كل منها نفسها.. في هذا الوقت طالبوني بأن أخوض بكم لجج البحر، وأقتحم بكم عنان السماء، وأغزو بكم كل عنيد جبار، فإني فاعل إن شاء الله».

وفي موضع آخر يؤكد «ومن قعد عن التضحية معنا فهو آثم». ولتحقيق هذا المبدأ تشكل بصورة سرية «الجهاز الخاص». الطابع العسكري الحديدي للجهاز «الخاص» السري للإخوان المسلمين تمثل في نظامه الداخلي الذي ينص في المادة 13 منه «إن أية خيانة أو إفشاء سر بحسن قصد أو بسوء قصد يعرض صاحبه للإعدام وإخلاء سبيل الجماعة»، وقد تضمن كتاب أصدره محمود الصباغ أحد قادة الجهاز «السري» الخاص تحت عنوان «حقيقة التنظيم الخاص» معلومات خطيرة عنه، حيث يقول» «إن أعضاء الجهاز يمتلكون الحق من دون إذن من أحد في اغتيال من يشاؤون من خصومهم السياسيين..

إن قتل أعداء الله غيلة هو من شرائع الإسلام»، وقد جرى تطبيق ذلك بالفعل على أرض الواقع. نذكر منها الأعمال الإرهابية التي ارتكبها الجهاز الخاص للإخوان المسلمين في العهد الملكي، والتي شملت اغتيال عدد من الشخصيات السياسية والقضائية مثل المستشار أحمد الخازندار ورئيس الوزراء النقراشي باشا، إضافة إلى الشروع في تفجير دور السينما وإحراق مدارس البنات الثانوية والمسارح والمحلات التجارية ومحلات التسجيلات الغنائية الصوتية في وسط العاصمة المصرية.

كما تورط الجهاز المذكور عام 1954 في محاولة اغتيال الرئيس السابق جمال عبد الناصر في منشية البكري، بعد أن رفض مطالب مكتب الإرشاد التي نقلها وفد من الإخوان المسلمين مكون من الصاغ الإخواني صلاح شادي والمحامي منير الدولة، وهي أولا: ألا يصدر أي قانون إلا بعد أن يتم عرضه على مكتب الإرشاد للإخوان المسلمين ويحصل على موافقته.

ثانيا: ألا يصدر أي قرار إلا بعد أن يقره مكتب الإرشاد. وقد رفض عبد الناصر بقوة هذين الشرطين، لأن الإخوان المسلمين في تصوره أرادوا من خلالهما، وغيرهما من الشروط الأخرى الحكم من خلف الستار، وبما يشبه ولاية الفقيه التي طبقت بشكل مباشر في إيران بعد عقود عدة من الزمن، والتي تبناها بإخلاص الرئيس الإخواني المعزول محمد مرسي.