آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 12:22 ص

الإخوان إلى أين؟

نجيب الخنيزي صحيفة عكاظ

الصعود السريع لحركات الإسلام السياسي، وخصوصا الإخوان المسلمين، وتصدرها المشهد العربي العام، وخصوصا في بلدان «الربيع العربي»، بل ووصولها إلى السلطة في غالبيتها، لم يكن مفاجئا، على الرغم من كونها ليست المبادرة في قيادة وتنظيم الحراك الثوري الذي فجره الشباب المستقل وانخرطت فيه قوى شعبية واجتماعية ومكونات حزبية ومدنية متعددة الاتجاهات والمشارب السياسية والفكرية.

هذا الصعود يعود إلى سرعة إسقاط تلك النظم الاستبدادية الفاسدة في ظل افتقار الحراك الثوري بشكل عام، والشباب بشكل خاص، إلى وجود تنظيماتهم السياسية الفاعلة التي تحتاج بالضرورة لبعض الوقت، في حين امتلكت جماعات الإسلام السياسي تنظيمات قديمة وقوية استطاعت «على خلاف القوى الأخرى» التكيف مع مختلف المتغيرات والنظم العربية المتعاقبة، بحيث حافظت على وجودها وتأثيرها الملموس في المحيط الاجتماعي، نظرا لما تمتلكه من خبرة تنظيمية ودعائية وقدرات مالية جرى توظيفها في المناشط الدعوية والجمعيات الخيرية، كما استثمرت الاضطهاد السياسي الواقع عليها «كبقية القوى الأخرى» في كسب تعاطف وثقة شرائح واسعة من المجتمع.

وقد وظفت جماعة الإخوان مشروعها المتأصل للوصول إلى الحكم بما امتلكته من علاقات قديمة، كما نسجت أخرى جديدة مع أطراف داخلية «بما في ذلك قوى سلطوية» وإقليمية ودولية، وخصوصا دول الغرب التي وفرت لها الدعم المتعدد الأشكال، باعتبارها تمثل الإسلام المعتدل المتكيف مع المصالح الغربية، سواء في مرحلة الحرب الباردة أو في المرحلة الراهنة.

نستعيد هنا ما طرحه المرشد العام للإخوان المسلمين حسن الهضيبي الذي خلف مؤسس الجماعة حسن البنا، بعد خلاف الإخوان مع عبد الناصر حين رفض الاستجابة إلى شروطهم في تأييد حركة 23 يوليو، حيث أدلى بتصريح صحافي يوم 5 يوليو «تموز» 1953 لوكالة «الأسوشييتد برس» قال فيه «أعتقد أن العالم الغربي سوف يربح كثيرا إذا وصل الإخوان إلى الحكم في مصر، وأنا على ثقة بأن الغرب سيفهم مبادئنا المعادية للشيوعية والاتحاد السوفييتي وسيقتنع بمزايا الإخوان المسلمين».

هذا الموقف وغيره من مواقف الإخوان المسلمين، وخصوصا اتصالاتهم السرية مع السفارة البريطانية في القاهرة، هو الذي دفع وزير خارجية بريطانيا المستر أنطوني إيدن إلى التسجيل في مذكراته «أن الهضيبي كان حريصا على إقامة علاقات ممتازة معنا، بعكس الرئيس جمال عبدالناصر».

ضمن هذا التوجه النفعي للإسلام السياسي لكسب تأييد الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوربي جرى تكييف مواقفه إزاء قضايا جوهرية عدة، من بينها القضية الفلسطينية واتفاقيات السلام مع إسرائيل، والأمر ذاته في طريقة التعاطي مع البنوك والصناديق المالية الدولية والرضوخ لشروطها المجحفة بحق الفئات الشعبية، والتي لا تختلف عن مواقف النظم السابقة.

أكرر أنه ضمن هذه المعطيات لم يكن مفاجئا صعود الإسلام السياسي ووصوله إلى السلطة في العديد من البلدان العربية، رغم الملابسات التي اكتنفت وصوله، وذلك لمعرفة أنه بحكم أيدلوجيته الدينية المغلقة والتمامية والمتشددة، لا يمتلك رؤيا أو خارطة طريق واضحة «لم يصدق أحد أطروحة مشروع النهضة من قبل الأخوان» لإقامة الدولة المدنية بمؤسساتها الدستورية والقانونية والمستندة إلى مفهوم المواطنة والمشاركة المتساوية للجميع، أو برنامجا للتغير الجذري بمستوياته السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والتصدي لقضايا الفقر والبطالة والغلاء وتردي الخدمات، التي يعاني منها الأغلبية الساحقة من المصريين، ما رسخ القناعة لدى الكثيرين بأن الإسلام السياسي سيصل حتما إلى طريق مسدود.

المفاجأة تجلت في الانحدار السريع لمكانته ونفوذه بين صفوف الشعب، بل وسقوطه المدوي في أكبر دولة عربية «مصر» وعلى يد الشعب الذي خرج بعشرات الملايين ينادي بسقوط الرئيس الإخواني وحكم المرشد، وذلك بعد عام فقط على تسنم مرسي لسدة الرئاسة المصرية.

في كل الحالات، ومع تراجع شعبية ونفوذ الإسلام السياسي في بلدان «الربيع العربي»، وخصوصا جماعة الأوان في البلد الأم «مصر»، حيث ولادتها ونشأتها ونموها وامتداداتها في العالمين العربي والإسلامي، غير أنها لا تزال تمتلك حضورا شعبيا وازنا، وذلك بسبب مستويات التطور الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي وتدني الوعي المدني والديمقراطي لدى قطاعات واسعة في المجتمعات العربية، وبالتالي ستظل لأمد ليس بالقصير أحد المكونات الرئيسية المؤثرة في عموم المجتمعات العربية، وهو ما يتطلب نبذ سياسة الإقصاء والتهميش بحقها، والذي سيجنح بها، أو ببعضها، نحو مزيد من التطرف والتشدد والعنف، وذلك عبر إرساء توافقات ومصالحة وطنية شاملة للمرحلة الانتقالية المعقدة والصعبة، التي تمر بها مصر والبلدان العربية المماثلة، مستفيدين من التجربة الثرية لجنوب أفريقيا في تسوية المصالحة والعدالة الانتقالية لضمان الانتقال السلس من النظام «العنصري» القديم إلى النظام «الديمقراطي» الجديد.

الإسلام السياسي كغيره من القوى الأخرى بما في ذلك القوى الليبرالية والقومية واليسارية بل وأنصار النظام السابق، مدعوة جميعا لمراجعة تجاربها وتصويب أخطائها.

ووفقا لما رشح من معلومات، فإن شباب الإخوان وبعض قياداته الوسطية المتململة والناقمة على سياسات ومواقف القيادات الإخوانية التقليدية بدأت في مراجعات نقدية شاملة، وهي خطوة في الاتجاه الصحيح.

على هذا الصعيد تؤكد القوى الثورية والشبابية المصرية، على مبدأ التعددية والمشاركة المتساوية في صنع القرار، وصولا نحو إرساء دولة مدنية حديثة، تستند إلى المواطنة المتساوية للجميع، والعمل على تحقيق شعارات الثورة «حرية، عيش، كرامة، عدالة اجتماعية»، وبحيث لا يوظف الدين توظيفا «نفعيا» أيدلوجيا وسياسيا، وذلك من خلال التمايز ما بين الديني «السماوي المقدس والثابت» والدنيوي «الأرضي المتغير والمتحرك»، وتحديد المنافسة السياسية على أساس الخدمة والبرامج العامة المقدمة للشعب.

نتطلع إلى أن تستعيد مصر الجديدة روحها الوثابة ودورها الحضاري والريادي في المنطقة العربية.