آخر تحديث: 29 / 5 / 2020م - 3:35 ص  بتوقيت مكة المكرمة

صورة لفلسطين في أوجام القطيف

وجدي آل مبارك

تمتزج حياة بني البشر بين الفرح والسرور، والرغد والقسوة، والحلاوة والمرارة، لكن ثمة شعوب من البشر عاشت مرارة وقساوة من نوع فريد ومؤلم، خاصة إذ قُدِر لهذا الإنسان أن يُولد بعيداً عن وطن آبائه وأجداده، ويعيش غريباً، ثم يموت بعيداً عنه أهله وأحبابه، حينها يكون حدثاً مأساوياً لايستشعره إلا من ذاق وقعه وألم قساوته.

إنها قصة شاب فلسطيني خلوق اسمه محمد سمير عوده الذي وِلد في البلدة الريفية المعروفة باسم أوجام القطيف، فترعرع في كنف والديه اللذان تحملا لعقود من الزمن غربة بعدهم عن وطنهم قدس المسلمين فلسطين، فكانت بهجة عامرة لوالديه بتكوين هذه الأسرة يجملها بصيص الأمل والتفاؤل في عودتهم إلى ديارهم ووطنهم في يوم من الأيام.

وبالفعل ترعرع هذا الفقيد بين ظهراني هذه البلدة، حتى صار شاباً فتياً أحب أهل البلدة وشبابها، وعرف كل واردة وشاردة عن هذا المجتمع وسرعان ما ألفه وانسجم مع أهله وشاركهم أفراحهم وأتراحهم، بل حتى من فرط حبه لها كان يتحدث بلهجتهم، وكأنه يقول: أني ابن هذه البلدة ومريديها.

حينها قرر أبواه تزويجه، ورُزِق ببنتين جميلتين زينت حياته بأمل متجدد يكبر معه مع بداية مشوار حياته، لكن مشيئة الله أصابته بعارض صحي أودى بحياته في أحدى المستشفيات الخاصة في المنطقة، فارتحل عن هذه الدنيا في ريعان شبابه، وحالت الأقدار في ترعرع هاتين الوردتان الجميلتان في كنف والدهما رحمه الله.

فكان لأهالي أوجام القطيف في عصر آخر جمعة من شهر رمضان المبارك موقفاً إنسانياً شهدته بنفسي وسجلته بذاكرتي، حينما تلقيت رسالة من شباب البلدة تخبرني بموعد جنازة هذا الشاب، وبالفعل توجهت كأمثالي من الأهالي للتشييع وكنت اقول في نفسي: هل سيجد هذا الشاب مجموعة من الناس تشيعه إلى مثواه الأخير؟!!.

وما إن وصلت إلى مغتسل الموتى إلا وهالني صورة واقعية لم أتصور أن أراها ورسمت بأيدي أهل الأوجام الطيبين، لدرجة أني بالكاد استطعت أن أجد حيزاً صغيراً في هذه الصورة لأكون جزءاً منها.

نعم، صورة إنسانية فريدة رسمها أهالي أوجام القطيف في زمن الصور البشعة والنتنة التي نراها في وسائل الإعلام والاتصالات، رُسِمت ولازالت تُرسم بأيدي وبشاعة أعداء الإنسانية تحت مصنفات العنصرية والطائفية والمذهبية والمناطقية، يحرقون بواسطتها صور الأشجار الإنسانية المثمرة التي أينعت على مياه المحبة والتعايش.

صورةٌ إنسانيةٌ تنوعت فيها الأيدي التي تهافتت تتلقف جنازة ذلك الشاب الفقيد والغريب عن وطنه، فكانت بحق صورة جميلة محت من خلالها صورة الفراق المُر من ذاكرة الأب المثكول بفلذة كبده الذي كان يتأمله سنداً له بعد أن عاش ألم الغربة وضنك الحياة.

فصورة مرارةٌ وحسرةٌ وألمٌ في عيني ووجه ذلك الأب المفجوع، تقابلها صورة تواسي وصورة تحتضن وصور لدموع تذرف على فقد شاب عُرِف بطيب المعشر والأخلاق.

وصور مئات من البشر أحاطت بوالده الباكي، وصور لأيدي شدت على منكبيه مواسية لفقد وفراق ابنه العزيز، بالفعل، شهد ذلك اليوم ارتسام صورة المحبة والمواساة، ومحو صورة الغربة والفراق في قلوب عائلة هذا الشاب الخلوق، فما اجملها من صور إنسانية جميلة حُفِرت في ذاكرة من واكب هذا الحدث.

واكتمل ألبوم الصور الإنسانية حينما تهافت الأهالي رجالهم ونسائهم، وكبيرهم وصغيرهم، وشبابهم وكهولهم لتعزية الوالد وذويه في عقر دارهم وبين اهليهم وذويهم من أهالي البلدة في صورة تجسد معنى المواساة الحقيقية للآخرين.

واعتقد أن هذا الأب تراءى في مخيلته تلك اللوحة الفنية قبل أن يرسمها الأهالي على الواقع، فَجملها بصورة أرقى جمالاً ووفاء، وذلك حينما أصر على تشييع ودفن ابنه الشاب في مقبرة البلدة، وكأنه يقول لهم: أن ابني ابن هذه البلدة التي وِلد وترعرع فيها، فمن حقه أن يدفن فيها.

كنت اتوقع من أهالي الأوجام رسم صورة إنسانية جميلة، لكنها ليست بهذا الاتقان والحرفية، فكسبوا الرهان على اصالتهم، وحاكوا وجدانهم الإنساني الصادق وجملوه بخيوط المحبة والمواساة، وكسروا من خلالها أُطر وجدران المصنفات البشرية المقيتة.

من هذه الصورة الإنسانية التي شاهدتها وعايشتها بنفسي استخلص منها وقفات قصيرة وهي:

الوقفة الأولى: مع ذلك الأب المفجوع لأهمس في أُذنيه وأقول له بصدق: نستسمحك عذراً فقد كنت تعيش بين ظهرانينا، لكن بسبب سهو أو غفلة منا قصرنا في أداء حقوقكم وواجباتكم، فثق أننا تعلمنا ووعينا من هذا الموقف بشكل جليٍ أن لانغفل عن حقوق الآخرين وواجباتهم، ولعل هذه الوقفة والمواساة الصادقة في مصاب ابنك عليه الرحمه، تكفر ولو بالشيء القليل عن تقصيرنا في أداء حق من حقوقك وواجباتك، فزرعنا في قلبك الطيب بذرة نتأمل أن تنبت منها شجرة العفو والصفح عنا، فالعفو من شيم الكرام والصفح من شأن العظام.

أما الوقفة الثانية فهي مع أهالي هذه البلدة الطيبين، الذين لازلت أراهن على طيبتهم وأصالتهم، فإن مثل هذه المواقف التي رسمتموها في تشييع ومواساة عائلة هذا الشاب الفقيد عليه الرحمة صور تُسجل في سجل أعمالكم الطيبة، لكنها صورة تجعل الإنسان يجول بفكره ليقول في نفسه:، إن اكتمال الرؤية الواعية لصنائع المعروف لاتتم إلا بحفظ ماء الوجوه واحترام الحقوق والخصوصيات، وعدم التسرع في استصدار الأحكام في المواقف من خلال العواطف والأقوال، وإن كانت بحسن نية، لأنك لا تعلم الحقيقة ولا تدرك نتائجها وآثارها.

كما يجب على كل فرد منهم أن يسأل نفسه هذا السؤال: أن صنائع المعروف ليست مقصورة بجنبة أو صنيع اجتماعي معين، أنما هي آفاق واسعة أمام الإنسان ليسع في فعل الخير والتشجيع عليه، فكل منا يحمل بين جنبيه عبق الخير بدليل أنك شاركت في رسم لوحة إنسانية آنية «مؤقتة»، فهل يصعب علينا كمجتمع أن نرسم لوحات إنسانية دائمة لصنائع المعروف؟!! فينتفع منها القاصي والداني والقريب والبعيد، فنمحو من خلالها صور التقاطع والتباعد التي قطعت صلة أرحامنا وعلاقاتنا الاجتماعية، فنجسد مصداق لقول الرسول الأكرم محمد ﷺ: خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي.

أما الوقفة الأخيرة فهي مع المجتمع الإنساني بأسره مع تلك الجنبة الإنسانية التي غفلتها الشعوب سواء عمداً أو سهواً، والتي يستوجب على شعوب العالم المراهنة عليها لتكون الشجرة الأسمى التي يستظل بها بني البشر قاطبة بمختلف انتماءاتهم وتوجهاتهم، شجرة تتغذى من ماء ومعين ديننا الإسلامي والإنساني التي حاولت أيدي الفتن والفرقة تجفيف روافد مياهها فأبت هذه الشجرة أن تبق صادمة حتى مع قلة المياه التي تصل إليها.

إن هذا السلوك الإنساني النبيل الذي رسمه أهالي أوجام القطيف، سلوك ليس بغريب عنهم؛ بل سلوك يُظهر شيمتهم وأصالتهم، وهي صورة مصغرة لصور جسدها بأبهى حلتها أمامنا وقدوتنا بعد رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب ، بكلام دوى في السماوات والأرضيين، ولازال دوي صداه يتردد على كل مسمع وفي كل مكان وزمان، حينما اختصر علاقات بني البشر في حقوقهم وواجباتهم بكلمتين فقال: الناس صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق.

فهذه الكلمة والله الرسالة الإنسانية المثلى لبني البشر، فلو قُدِر لهم الأخذ بمقولة هذا الإمام العظيم الذي لم تعرف البشرية إلا جزءاً يسيراً من قدره، لما سمعت ورأيت تلك الصور البشعة من الحروب والتناحر والقتل والدمار الذي شهده ويشهده العالم في كل مكان وزمان، وعاشت شعوبهم حياة المحبة والوئام واستشعروا من خلاله طعم الأمن والأمان على أنفسهم وأعراضهم ودمائهم وأوطانهم.

من هنا كانت البداية والنهاية عن صورة إنسانية لفلسطين رسمها أهالي أوجام القطيف في تشييع شاب فلسطيني خلوق في بلدتهم يستوجب علينا طلب المغفرة والرحمة له من الله جل جلاله في آخر جمعة من شهر رمضان المبارك لعام 1434هـ.