آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 12:22 ص

روحاني.. بين ولاية الفقيه ورئاسة الدولة

نجيب الخنيزي صحيفة عكاظ

في الثالث من شهر أغسطس الجاري تسلم الرئيس الإيراني الجديد الشيخ حسن روحاني مهام منصبه كسابع رئيس إيراني منتخب منذ الثورة التي أطاحت بنظام الشاه في عام 1979. أبو الحسن بني صدر كان أول رئيس إيراني منتخب بعد الثورة، حيث انتخب رئيسا لأربع سنوات في 25 يناير 1980، بنسبة 78.9 بالمائة من الأصوات، غير أنه على أثر خلافه مع الخميني الذي يعد قائدا للثورة والولي الفقيه جرى إبعاده عن منصبه في 10 يونيو 1981، ثم اضطر إلى الهروب خارج إيران خوفا على حياته.. 

في حين جرى اغتيال الرئيس الثاني لإيران محمد علي رجائي بعد أيام قليلة على انتخابه، وتبنت منظمة مجاهدي خلق المحظورة عملية الاغتيال، انتخاب روحاني ومنذ الجولة الأولى لم يأت من فراغ، بل هو نتاج التفاعلات والتجاذبات والاستقطابات السياسية والثقافية والاجتماعية الحادة التي تتحكم في الشارع الإيراني، غير أنه في التحليل الأخير جاء من قلب النظام والمؤسسة الدينية العتيدة المسيطرة بقوة منذ انتصار الثورة 1979. 

لقد عكست الانتخابات مدى عمق وتجذر مطالب قطاعات الشعب الإيراني المختلفة «الذي يشكل الشباب نسبة 70% منه» وتطلعهم نحو التغيير والإصلاح. وهنا لا بد من التوقف عند الدلالات والمؤشرات التالية:

صحيح أن أغلبية الشعب الإيراني انتقض وثار ضد نظام الشاه الموالي للولايات المتحدة الذي اتسم حكمه بالفساد والاستبداد والظلم، وحقق الانتصار عبر ثورة شعبية عارمة شاركت فيها مختلف التيارات والقوى «دينية وليبرالية ويسارية» تحت قيادة الخميني، واعتبرت إحدى الثورات الشعبية في القرن «العشرين» المنصرم، حيث أكدت على أن إرادة الشعوب لا تقهر مهما بلغ جبروت وطغيان وقوة الأنظمة الاستبدادية الحاكمة، غير أن إيران سرعان ما شهدت اندلاع نزاعات وصراعات دامية وتصفية حسابات ما بين التيارات والقوى الأساسية المشاركة في الثورة، وانتهى الصراع بإقصاء وتصفية التيارين الليبرالي واليساري واستحواذ التيار الإسلامي على كامل السلطة في نظام الجمهورية الإسلامية، وذلك من خلال منصب الولي الفقيه الذي يمتلك صلاحيات مطلقة إلى جانب، مجلس الخبراء، مجلس تشخيص مصلحة النظام، ومجلس صيانة الدستور. 

صحيح أن الرئيس روحاني كغيره من الرؤساء الإيرانيين جرى انتخابه من قبل الشعب في انتخابات تعتبر نزيهة في شكلها وإجراءاتها «باستثناء التشكيك في نزاهة انتخابات 2009 التي فاز فيها محمود نجاد»، غير أنها تظل انتخابات قاصرة عن تمثيل حقيقي لولاية الشعب على نفسه.. ومن أصل حوالي 600 طلب ترشيح في الدورة الأخيرة، صادق مجلس صيانة الدستور على ستة أسماء فقط، كما ينص الدستور الإيراني على ضرورة أن يتمتع المرشح بخلفية سياسية دينية، وأن يؤمن بمبادئ الجمهورية والديانة الرسمية «مسلم شيعي جعفري». 

هذا المنخل لأسماء المرشحين وخلفياتهم، يمثل نقيصة خطيرة في العملية الديمقراطية، التي أهم مظاهرها التعددية السياسية والحزبية والفكرية، وبالتالي يكون مصير ومستقبل ومشاركة الناس في الحياة العامة محددا سلفا بمواصفات ومعايير سياسية ودينية ضيقة أساسها ومنطلقها الولاء للسلطة، ناهيك عن الهيمنة المطلقة لمنصب الولي الفقيه أو المرشد العام للجمهورية، والذي يحتله علي خامنئي. 

تجدر الإشارة إلى أن مبدأ ولاية الفقيه ليس محل إجماع المؤسسة الدينية والحوزات العلمية الشيعية، وفي حين يرى بعضهم «الحجية» أن قيام الجمهورية الإسلامية وتثبيت ولاية الفقيه في إيران يتعارضان من حيث المبدأ مع الفكرة والإيمان الراسخ لديهم بخروج المهدي المنتظر حين تملأ الأرض ظلما وفسادا وجورا، وفي المقابل توجد بعض الأطروحات المضادة «محدودة الأثر والتأثير في الوسط الشيعي» التي تحاول حتى التشكيك بوجود الإمام «الغائب» تحت زعم أنه يفتقد إلى أي سند تاريخي أو ديني أو فقهي أو عقلي، وأنه طرح لأسباب أيدلوجية وسياسية. 

وبغض النظر عن هذه الأطروحات المختلفة إلى حد التناقض، فإن الخميني هو أول من عمل بشكل جدي على تأصيل مفهوم ولاية الفقيه على المستويين النظري «الفقهي» والعملي «السياسي»، وبطبيعة الحال فإن شخصيته الكارزمية على المستويين السياسي والديني في إيران وقيادته للثورة الشعبية وتأسيسه الجمهورية الإسلامية أعطى مصداقية واقعية في ذلك الوقت لهذه الفكرة، مع أن عددا من كبار العلماء والمجتهدين كانت لهم وجهات نظر أخرى، بل ومعاكسة إزاء موضوعية ولاية الفقيه «العامة أو الخاصة»، وأنه يجب أن تكون لها شروط وضوابط دينية وفقهية، وبعضهم يضيف ضوابط سياسية وعملية، وفي هذا الصدد نشير إلى أطروحات مداري وطالقاني ومنتظري وشيرازي وغيرهم من كبار العلماء. 

الواقع والمشهد الديني والسياسي والثقافي السائد في إيران لا يزال يحتفظ بمنزلة خاصة ورفيعة لموقع المرشد على الصعيدين الروحي «الديني» والزمني «السياسي»، ومن هذه الزاوية فإن المرشد «ولي الفقيه» علي خامنئي يعتبر عاملا رئيسيا بل وحاسما في رسم وصياغة حاضر ومستقبل إيران ضمن التجاذبات والصراعات المحتدمة بين معسكري الإصلاحيين والمحافظين، والمتوقع بأنها ستدخل مرحلة متقدمة، خصوصا إزاء استحقاقات الإصلاح السياسي/ الاجتماعي/ الاقتصادي، وفي مواجهة قضايا إقليمية ودولية ساخنة، من بينها: الملف النووي، والموقف من دول مجلس التعاون الخليجي، وسوريا والعراق وفلسطين ولبنان. 

المعروف بأن المرشد الأعلى في إيران علي خامنئي كان معجبا ومتأثرا بجماعة الإخوان المسلمين، وقد ترجم العديد من كتب سيد قطب إلى اللغة الفارسية، غير أنه في موازاة النجاح الذي أحرزه الإسلام السياسي «الشيعي»، في فرض سيطرته لعدة عقود على مفاصل الدولة والسلطة والمجتمع في إيران، فقد سقط الإخوان سريعا وقبل أن يتمكنوا من تحقيق برنامجهم في أخونة الدولة والسلطة والمجتمع. 

إلى أن يتمكن الشعب الإيراني من تقرير مستقبله بحرية وشفافية، ستظل ولاية الشعب الإيراني ناقصة ومقيدة، في مقابل ولاية الفقيه «المرشد الأعلى» الشمولية والمطلقة.