آخر تحديث: 18 / 9 / 2019م - 12:37 ص  بتوقيت مكة المكرمة

دور علماء الدين والمجتمع في تفعيل منهجية الإصلاح الاجتماعي

يونس عاشور

الإصلاح في اللغة عكس أو ضد الإفساد واصطلاحا هو الإرادة الباحثة عن الخير وتقويم الاعوجاج ويمكن تعريفه أيضا على أنه تغيير قواعد عمل النظام المجتمعي ومعالجة القصور والاختلال التي تعوق التنمية والنهوض بالمجتمع من جميع مناحيه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية

أن هذا التعريف يعني أن الإصلاح ليس عملا سياسيا وحسب بل عمل حضاري شامل يتناول المفاهيم والقيم والأفكار والعادات والتقاليد والمؤسسات والأفراد إذ أنه يمس كافة جوانب الحياة المادية والفكرية والروحية والأخلاقية للمجتمع.

وفي هذه الأطروحة نريد بسط ومناقشة تفعيل منهج الإصلاح من قبل عالم الدين ودوره ومن ثمة انخراطه في رسم خريطة الإصلاح، وكيف أن المجتمع يقتضي عليه هو ايضاً ان ينال القسط من هذه المهمة المعقدة في صرفها وتحويلها والاشتغال عليها أو التطلع لها وإعمالها بشكل تكاملي وذلك من اجل القيام بمشاركة عالم الدين في دفع ودعم هذه السيرورة التي أصبحت ماسة بالنسبة للمجتمعات التي تتطلع إليها بكل معانيها القيمية ومفرداتها الأخلاقية ونتاجاتها الغائية.

من المعلوم أن عالم الدين يشكل الركيزة الأساس لعملية الإصلاح الاجتماعي «Social Reformation» في المجال الحياتي، فالقاعدة التي ينطلق منها تفرض عليه تحمل هذه المسؤولية الخطيرة خاصة وأنها من الأولويات الدينية والمنطلقات التشريعية التي تبين واجبات ومسؤوليات عالم الدين وهذا الجانب قد أولي اهتماماً بالغاً من التشريعات الإسلامية والمنظومات الإسلامية على أن كثير من المفاهيم الحياتيه أساسها ومنطلقها هو تفعيل مفهوم الإصلاح وتبني هذا المنهج الذي ربما يفتقده البعض من علماء الدين، لما له من أهمية بالغة على الصعيد الحياتي والاجتماعي وبالتالي انعكاسه على جميع الصعد الحياتية الأخرى، ومتى ما كان الإصلاح هو الهدف والمحور العقلاني الحقيقي الذي يستهدف بث روح المحبة والتآخي والتعاضد الاجتماعي ونبذ كافة أشكال التعصب والعصبية والتشنج والكراهية التي قد تحدث بين فينة وأخرى سواء في المحيط الأسري أو الاجتماعي العام آنئذ نستطيع تقويض الفوضى والقضاء على كافة المشكلات بشتى أنواعها واتجاهاتها ومساراتها.

لقد ركز الإسلام على تفعيل هذا المفهوم والمنحى لكي يحقق للإنسان تحقيق حياة سعيدة قائمة على التسامح والتعايش الصحيح الخالي من المشكلات والمعضلات التي تعيق من تحقيق معاني التقدم والسمو والعزة والرفعة... الخ.

ثمة آيات في القرآن الكريم تتحدث عن مفهوم الإصلاح وتتناوله بأسلوب رائع وبيان ناصع تحث الإنسان على تطبيقه وإعماله وانتهاجه في مجال حياته وحياة الآخرين قال الله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم [وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا] سورة الحجرات آية رقم «9» وفي آية أخرى الله يقول [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ] سورة الحجرات آية رقم «10» وقال تعالى [فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ] سورة الأنفال آية رقم «1» وفي الإجمال إذا أراد الإنسان الإصلاح وقصده بنية صالحة فان الله يجعل مآل ذلك ملموساً في نفوس الناس فيما بينهما قال تعالى [إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا] سورة النساء آية رقم «35» إلى العديد من الآيات القرآنية التي تدعو الإنسان إلى تبني هذا المنهج بشكل عقلاني يقوم على أساس الموضوعية وانتهاج منهج الحكمة والكلمة الحسنة الخالية من العبارات النابية التي قد تنتهج بشكل خاطئ بل ربما قد تطبق بشكل خاطئ أيضا لأن الإنسان إذا لم يتمكن من فهم واستيعاب المفاهيم الدينية بشكل كامل ومتكامل عندها لا يستطيع القيام بوظيفته الشرعية على النحو المطلوب وكما هو مكلف من الناحية الشرعية.

دور عالم الدين في تفعيل وتبني منهج الإصلاح يتمحور حول عدة نقاط رئيسة مهمة إذا اتبعت وطبقت كان لها الدور الريادي والقيادي الأمثل في تجليات الإصلاح نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

أولاً: يجب أن يكون تبني مفهوم الإصلاح خالياً من المصالح الذاتية التي تشكل عائقاً تربويا ومنهجاً فلسفياً يقوم على الحكمة الغائية بالنسبة للمصلحين فالإنسان الذي يقوم بوظيفة شرعية في سبيل مآرب أخرى وغايات مصلحيه «دنيوية» هذا الجانب لا يحقق السلوك المطلوبة التي تكمن في صناعة الشخصية الرزينة العاقلة البعيدة عن مظاهر الغايات الغير نبيلة التي قد تحدث عند البعض بسبب سوء الفهم والالتباس في كيفية تفسير المفاهيم الدينية، فالمصلح متى ما كان هدفه ونيته سالمه وطيبة وغير مختلطة بشوائب آنئذ تعطي ثمارها ووظيفتها السامية داخل كيان المجتمع الواحد.

منهج الإصلاح يحتاج إلى نفوس صالحة وخير من يكونوا صالحين لإصلاح نفوس الآخرين هم [علماء الدين] لأنهم خير مبلغ ومرشد لشتى قضايا المجتمع التي تحدث وخاصة في خضم المشكلات والمعضلات العالمية فهم الواجهة الحقيقية لأي مجتمع وأمه فهم العماد الذي يستند عليه عند حدوث أحداث جسمية تهدد خطر المجتمع وأمنه الوطني وبدونهم يفقد الإنسان التوازن الحقيقي الذي يشكل جسراً بينه وبين كافة شرائح المجتمع الذي يعيش ضمنه.

عالم الدين هو المحرك الأساسي لعملية صهر الإصلاح داخل نفوس أبناء وطنه وبه يرتهن هذا الجانب الأساسي وإذا كان عالم الدين لا سمح الله بعيداً عن هذه المهمة وتجاهلها عندئذ يكون المأزق السلبي المرتجى توقعه والعياذ بالله.

ثانياً: النقطة الأساسية في مفهوم الإصلاح يجب أن يكون انتهاجه انتهاجاً شمولياً وعموميا لا أن يقتصر على فئة دون فئة أخرى مثلاً، لأن وظيفة الأنبياء والرسل كانت بالمستوى العمومي والشمولي لأي امة كانوا يرسلون إليها من قبل الله سبحانه وتعالى فقد كلفهم الله بان يوظفوا جل طاقاتهم وقدراتهم من اجل تبيان النصيحة الصحيحة والإرشاد للناس فلم يقتصروا على مجتمع دون مجتمع آخر وخير نموذج ومثال هو سيدنا ونبينا محمد المصطفى ﷺ فهو مرسل إلى البشرية كافة ولإهداء البشرية كافة لأن مسيرته المباركة كانت تتحدث عن التطلع الشمولي لهداية بني البشر.

كان بإمكانه ﷺ أن يمكث في مكان واحد دون آخر لكنه قلب هذا المفهوم رأساً على عقب فبدأ رحلاته وتحركاته وتنقلاته المباركة بالتبليغ والدعوة الإرشاد حتى استطاع إصلاح تلك النفوس المريضة فحولها إلى نفوس صالحة ومؤمنة وموحد لله سبحانه وتعالى.

ثالثاً: يأتي دور المجتمع في عملية الإصلاح فهو أيضا مكلف وواجبه القيام بهذا الدور على المستوى المطلوب لا أن يكون متفرجاً لا يحرك ساكناً بل من المقتضى محاولة كل فرد القيام بعملية الإرشاد والتوجيه الصحيح الموضوعي الخالي من الأهداف المغرضة والمريضة والغير صالحة وصحيحة للمجتمع وللأمة حتى نستطيع تشكيل صفاً واحداً متوحداً وصالحاً لا يستطيع الأعداء التربص به واختراقه والوقوف أمام قضاياه المصيرية، أساسا عملية الإصلاح هي صيرورة النجاح والتقدم الإنساني والحضاري لأن المنطلقات السامية الايجابية من أين تنبثق إذا لم يكن ثمة إصلاح وعليك تطبيق هذا المفهوم يا عزيزي ضمن حياتك وستكتشف مدى تقدمك أو تأخرك وضع نصب عينيك مفهوم الإصلاح في كل عمل تنتهجه.

المجتمعات العاقلة هي التي ترشد بعضها بعضاً، لأن غاياتها في النهاية هي غاية نبيلة أما إذا لم يكن للمجتمع غايات نبيلة وكل في اتجاه وطريقة والمشكلات تحدث هنا وهناك حينئذ أنت تتأثر بتلك المشكلات لأنك تعيش ضمن المجتمع الواحد ولا تقل أني بعيد عن ذلك ولا يصل إلي ذلك! بل أنت أمام الخطر لا سمح الله إذا حدث شيء ما.

نسأل الله أن يجعلنا من المصلحين الصالحين الذين يقومون بوظيفتهم الشرعية أمام الله وان يجنبنا شر الفتن ما ظهر منها وما بطن وان يقي مجتمعاتنا وامتنا الإسلامية كل الويلات والمخاطر التي قد تنجم بسبب الأعداء المغرضين.

المراجع:

1 - مفهوم الإصلاح.. المعنى والدلالة/ صحيفة عكاظ «الجمعة 01/02/1429هـ» 08/فبراير/2008 - العدد: 2427 عبدالله حسن العبدالباقي.