آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 12:22 ص

حماس.. تحديات مصيرية

نجيب الخنيزي صحيفة عكاظ

تعيش حركة حماس في الآونة الأخيرة وضعا لا تحسد عليه، حيث باتت تواجه أزمة داخلية متصاعدة، وتحديات واستحقاقات مصيرية، هي الأخطر منذ تأسيسها، وسيتحدد وفقا لنتائجها إلى حد كبير مستقبل الحركة لسنوات قادمة. 

تلك التحديات ليست إسرائيلية في المقام الأول، خصوصا بعد اتفاق التهدئة المبرم بين الحركة وإسرائيل الذي رعته حكومة الرئيس «الإخواني» المخلوع محمد مرسي في نوفمبر 2012 في أعقاب العدوان الإسرائيلي الواسع على قطاع غزة، الذي تضمن وقف إطلاق الصواريخ والهجمات من غزة صوب إسرائيل في مقابل إنهاء الاغتيالات والتوغلات الإسرائيلية في القطاع، وهو ما عد انتصارا من قبل الحركة، وإنجازا من قبل الرئيس السابق الذي وظف دالته ونفوذ جماعة الإخوان المسلمين «الحركة الأم» في مصر. 

التحديات القديمة/ الجديدة التي تواجهها حماس تتمثل في الوضع الفلسطيني الداخلي، وكذلك الوضع العربي/ الإقليمي المتداخل والمتشابك معه، إذ تعيش في الوقت الراهن أسوأ أوقاتها على الإطلاق، فعزلتها تتفاقم في ظل خسارتها لحلفائها القدامى في ما سمي «معسكر الممانعة» ولحلفائها الجدد، خصوصا بعد التغييرات الأخيرة في مصر التي أسقطت حكم الإخوان المسلمين. 

السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل أزمة حماس مردها سوء الحظ؟ أم سوء التقدير؟ أم هما الاثنان معا؟ حركة المقاومة الإسلامية التي تختصر بحماس أعلنت عن قيامها في 15 ديسمبر 1987 وتشكلت من قبل قيادات وكوادر تنتمي لجماعة الإخوان المسلمين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتحديدا في قطاع غزة والتي كانت لأمد طويل تعمل كفرع للجماعة الأم في مصر، قبل استقلاليتها التنظيمية، وقد جاء في بيان التأسيس بأن الحركة تستند في استراتيجيتها على قاعدة الكفاح المسلح من أجل تحرير كل فلسطين، وقد امتد النشاط السياسي والعسكري لحركة حماس ليشمل عموم الأراضي الفلسطينية المحتلة. 

وفي مواجهة ما تعتبره حماس تفريطا بالقضية والحقوق الفلسطينية، عمدت حماس إلى تقوية روابطها وصلاتها السياسية والعسكرية والمالية مع ما يسمى «بمعسكر الممانعة» الذي يضم إيران وسوريا وحزب الله إلى جانب بعض المنظمات الفلسطينية وأبرزها حركة الجهاد الإسلامي، كما أصبحت سوريا مركزا ومحطة رئيسية لقيادة حماس في الخارج. 

اللافت ان حماس التي قاطعت الانتخابات التشريعية الفلسطينية المتتالية تحت حجة انها تكرس اتفاقات أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية واسرائيل والتي تتضمن خيار الدولتين والاعتراف بالدولة العبرية ونبذ الكفاح المسلح واللجوء إلى المفاوضات السياسية، غير أنها عادت وقررت فجأة المشاركة في انتخابات المجلس التشريعي في يناير 2006 التي حققت فيها فوزا كاسحا ما أهلها لتشكيل الحكومة بمشاركة حركة فتح، غير أن المناكفات والصراعات ما بين حركتي حماس وفتح بدأت تتصاعد حدة، خصوصا بعد قرار إسرائيل الانسحاب العسكري من قطاع غزة، وهو ما عدته حركة حماس انتصارا خالصا لها. 

وعلى إثر إقالة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس للحكومة التي يترأسها اسماعيل هنية «حركة حماس» عمدت حماس إلى بسط سيطرتها على كامل قطاع غزة. 

كما هو معروف فإن ثورات ما يعرف «بالربيع العربي» اندلعت تحت شعارات مدنية / وطنية، كالحرية والكرامة والمواطنة والعدالة الاجتماعية، وكان حضور القضية الفلسطينية في تلك التحركات شبه غائب، غير أنه نجم عنها تصدر جماعات الإسلام السياسي «شقيقات حماس» للمشهد العربي العام، خصوصا بعد وصول الإخوان المسلمين إلى السلطة في تونس ومصر وتعزيز نفوذهم في ليبيا واليمن، وتسلمهم لرئاسة الحكومة في المغرب. 

والأمر ذاته ينطبق على الثورة السورية، حيث كان الرهان على دور قيادي وبارز للإخوان في مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد، وهو الأمر الذي عولت عليه كثيرا حركة حماس، علما بأن جماعات الإسلام السياسي التي وصلت إلى السلطة لم يشف منها أي موقف نظري أو عملي في انتهاج سياسة جديدة أو مغايرة إزاء القضية الفلسطينية مقارنة بأنظمة الحكم المنهارة، بل انها عمدت إلى نيل ثقة الولايات المتحدة والغرب عموما باعتبارها الأكثر قدرة على تمثل مصالحه، وبما في ذلك احترام اتفاقيات السلام والتطبيع مع إسرائيل، وهو ما ينطبق بشكل محدد على مصر، حيث تفرد الإسلام السياسي بالسلطة السياسية والتشريعية الكاملة. 

إزاء تلك المتغيرات السريعة كان يتعين على الشعب الفلسطيني، والمنظمات والفصائل الفلسطينية باعتبارها حركة تحرر وطني لها أولوياتها الوطنية وتكافح ضد الاحتلال، ومن أجل نيل الحرية والاستقلال للشعب الفلسطيني وهو ما يستدعي النأي عن التورط في الصراعات الداخلية في البلدان العربية الأخرى، خصوصا أن هناك تجارب فلسطينية مريرة سابقة كما هو الحال قي الأردن ولبنان، وتأييد احتلال صدام حسين لدولة الكويت في اغسطس 1990.

على هذا الصعيد هناك اتهامات لحركة حماس بالتورط بشكل مباشر في ما جرى ويجري في مصر وسوريا وتونس ولبنان وغيرها.. وهو ما جعلها طرفا في معادلة الصراع الداخلي في تلك البلدان وفقا لمتبنياتها العقائدية «الأيديولوجية وممارساتها النفعية والانتهازية، وهو ما أفقدها ثقة الأطراف الأخرى. 

خرجت حماس بإرادتها من سوريا على أساس أنها وجدت تعويضا لها في مصر الإخوانية، وعلى خلفية المواقف المتناقضة إزاء الصراع في سوريا ساءت علاقاتها مع إيران وحزب الله. 

غير أنه مع سقوط حكم الإخوان في مصر، طالب الحكم الجديد وأجهزة الإعلام المصرية حركة حماس بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لمصر وجرى توجيه الاتهام لحركة حماس بتدريب ودعم المليشيات التابعة للإخوان وكذلك للمجموعات المسلحة الإرهابية العاملة في سيناء. 

إزاء خسارة النظام الإخواني في مصر، تسعى حركة حماس من جديد إلى إعادة ترميم علاقتها المتصدعة مع إيران وحزب الله، وربما مع النظام السوري في حال بقائه، وقد تنجح في هذا المسعى ما دامت هناك مصالح مشتركة تجمعهم. 

أخيرا كيف ستواجه حماس استحقاق المصالحة الوطنية، وحال التبرم والانقسام في داخل صفوفها وتنامي السخط والغضب بين سكان غزة إزاء سياساتها الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، ونهج الاستفراد في حكم القطاع، وهو ما أفرز حركة تمرد الفلسطينية.