آخر تحديث: 26 / 9 / 2020م - 5:42 م  بتوقيت مكة المكرمة

تنبؤات درامية أم سينما متواطئة.. «19»

عبد العظيم شلي

بطل فيلم 12 قردا Twelve monkeys

جيمس كول «بروس ويليس» القادم من عام 2035 يتجول متخفيا عن الأنظار في ولاية فلادلفيا، سنة 1996.

خطواته عجلى تترصد القادم، والمعاناة ترسم خطاه في دوران السنين للوراء وكأن الزمن مجرد وهم.

بعد أن أنهت د. كاثرين ريلي «مادلين ستو»، محاضرتها ووقعت كتابها على الجمهور، خرجت من المبنى دون رفقة أحد وأثناء فتحها باب سيارتها باغتها رجل وتحت تهديد السلاح أصمتها خوفا، وأقعدها أمام المقود، جالسا وراءها في المقعد الخلفي، وأجبرها على التحرك بالسيارة حيث يأمرها في المكان الذي يريده، لحظات وكشف عن وجهه المغطى، وإذا هو جيمس كول الهارب من المستشفى اندهشت والرعب يتملكها وهي التي ختمت محاضرتها عن شخصية الجندي الهارب المصاب ب ”عقدة كاساندرا“ ذلك الشخص المجهول أثناء الحرب العالمية الأولى.

انطلقا معا والجو مشحون بالتهديد والخوف، تقود سيارتها بارتباك والكلام يتقطع مع حبس الأنفاس، أوضح لها أنه يبحث عن المجرمين الذين يخططون لتدمير البشرية!، استغربت بذهول، والهواء كاتم يهيمن عليها باختناق، لعثمة أصابتها بارتباك، أي نصيب أوقعها في قبضة شخص مختل عقليا، سايرته حسب زعمه، قالت له ما نوع الدليل؟ رد عليها: ”إنهم الجيش السري، جيش القرود الاثنا عشر، حيث كان أحدهم المسبب لنشر الفيروس، ولهذا أنا هنا يجب علي إيجادهم، هذه مهمتي، يتوجب عليّ العثور عليهم، لأن الفيروس مازال في شكله الأصلي ولم يتغير، عندما أحدد مكانهم سيرسلون عالمًا إلى هنا، وسوف يقوم العالم بدراسة هذا الفيروس ومن ثم سأعود إلى السجن، وسيكتشف العلماء العلاج المناسب“.

تفهمت هذيانه، وعقدت العزم على مساعدته لأنه شخص - حسب ظنها - مريض نفسي يحتاج إلى علاج ولابد من إدخاله إلى المصحة.

اكتشف كول نفسه أنه أرسل بالخطأ إلى عام 1990 أي قبل 6 سنوات من انتشار الفيروس الوبائي، وفي جو آخر يزعم أمام الدكتورة كاترين وأمام هيئة الأطباء بأنه في سنة 1996 وهي السنة التي بدأ فيها الفيروس بالانتشار هي من الماضي وليست المستقبل، وفجأة يجد نفسه عائدا إلى عام 2035، ويحقق معه الأطباء ثانية عما رٱه، ويرد عليهم بأن كل ما رآه وهما وكوابيس بفعل كثرة الإبر المخدرة التي يطلقونها في جسمه، يرسل مرة اخرى لعام 1996 عام الوباء لكن قبل أن تتحرك الايد الخفية لنشره، يسعى كول جاهدًا في العثور على أمكنة القرود ال12 بأي ثمن.

بدأت العلاقة بين د. كاترين وكول في التحول التدريجي، تغير تفكيرها نحوه، وبين العاطفة والتصديق والشك سايرته في كل تحركاته الميدانية، وشرح لها مزيدا من مهمته الغامضة، ترافقه وراء لهاثه المستمر للبحث عنهم، انطلقت معه وهو يتقفي آثار هؤلاء المجرمين المندسين وسط المجتمع، فيقوم بتمزيق الإعلانات الورقية الملصوقة على جدار الشوارع الخلفية التي يسكنها شداد الآفاق وتظهر شعار رمز منظمتهم الإرهابية التي يبحث عنها وهي على هيئة

شكل قرد باللون الأحمر.

الصدف أم الحاسة السادسة أوصلته إليهم في أمكنة متفرقة، كل يوم يعثر على بعض منهم تارة متنكرين بين الحانات المنزوية، وأخرى بين القصور الاستقراطية وحياة الترف والبذخ، وبالمقابل أجهزة أمن الدولة تبحث عنه لأنه إنسان غير سوي مضطرب عقليا، خطر على نفسه وحياة الٱخرين.

تتراكم مشاهد الكر والفر والاستقصاء بين الطرفين، وها هو كول يقترب من مأدبة عشاء فاخرة ضيوفها من علية القوم والساسة، ”مجلس الشيوخ والحرس الرئاسي“.

يراقب المشهد تخفيًا بين زحام سيارتهم الفارهة، وتتناهى لسمعه إشارات الاتهام ضده من مدعوين عابرين بجواره، يقترب من المدخل الرئيسي ويطلب من حراس القصر مقابلة ابن صاحب الحفل، «قوينز» شاب بكامل هندامه، لحظات ويتقابل الاثنان في إحدى الغرف المنزوية، رمق الشاب كول نظرة ازدراء وقال للواقفين بجواره: ”لم أره من قبل في حياتي، لكم حرية تعذيب هذا الرجل أو أيا كان ما تفعلونه، سأعود إلى حديث أبي الفصيح عن مخاطر…“.

وبينما الشاب يهم بخطواته، عاجله كول قائلا: ”أنا هنا بشأن بعض القرود“ التفت إليه الشاب: قرود؟

كول: أجل، قرود الاثني عشر.

قابله الشاب باتسامة ماكرة: أرنولد، تبدو بحالة مزرية،

أحد الحراس: أتعرف هذا الرجل؟

بالطبع أعرف هذا الرجل ”ارنولد بيتيبون“.

أخذ «~» الشاب يد «*» كول وصعد به للأعلى وعلى عتبات السلم دار الحديث الملتهب:

~ ”مرحبا، كيف حالك؟ مرحبا،“ الهروب العظيم "، 1990، مستشفى المقاطعة هل أنا محق؟

* أيسعني فعل شيء حيال ما ستقوم به.

~ لا أستطيع تغيير شيء، ولن أوقفك.

* أريد فقط المعلومات.

~ علينا التحدث هيا بنا.

* أنا هنا أريد الوصول إلى الفيروس النقي.

~ فيروس؟!

* أجل، من أجل المستقبل، أريد أن أعرف مكانه؟

~ وما هو بالتحديد؟ فهمت، أعلم ما تريد فعله، إنها خطتك القديمة أتذكر؟

* لا أعرف عما تتحدث؟

~ بل تعرف، كنا نشاهد التلفاز في تلك الغرفة النهارية، وكنت مستاء من تدنيس هذا الكوكب، وهذا أمر أفهمه، لكنك قلت لي بعد ذلك ألن يكون رائعًا لو كان بإمكان جرثومة أو فيروس إبادة البشرية بأكملها، وتبقى الحيوانات والأشجار؟

* كلا أنت تحاول تشويشي الآن.

~ كنت مضحكا أخبرتك أن أبي كان عالم فيروسات مشهورًا، وقلت لي يمكنه أن يصنع جرثومة، ويمكننا سرقتها، أليس كذلك، كنت مضحكا جدا، إنها تتحول!

* نحن نعيش تحت الأرض! العالم ينتمي للكلاب والقطط، أصبحنا نعيش كالديدان، أحتاج إلى معلومات.

~ هون عليك، أنت مجنون وفقدت عقلك حتما، متوهم ومذعور، عقلك مضطرب بالكامل، صينية معلوماتك عالقة يا رجل!

* أتعلم ما هو جيش الاثني عشر قردا؟

~ إنهم من محبي الطبيعة المعاتية الخيرين ينقذون الغابات الإستوائية، لم يعد لي صلة بأولئك المجانين، توقف عن كوني الصبي الثري كبش الفداء لصالح بعض المتعصبين غير الفعالين! أفسدت خطتك الكبرى أيها الوغد، أبي يحذّر الناس من خطر إجراء التجارب على الحمض النووي والفيروسات منذ سنوات، لقد جمع دماغك المرتاب المضطرب هذه المعلومات، - يشير للحضور - انظروا، منظمة لا تسعى وراء الربح أصبحت عصبة ثورية شىريرة! هذا الرجل مجنون بحق، سيداتي سادتي أتدركون من أين يعتقد أنه أتى…؟ ".

وفر كول هاربًا من عين المكان بعد صراخ وعراك.

حوار ملتبس استحضر بعضه من المستقبل، دار بينهما في العالم السفلي، من داخل المصحة العقلية سنة 2035، تعقب حثيث للإمساك بخيوط اللعبة، قبل وداع القرن العشرين لعل الفعل الآتي ينقذ القادم المجهول بإرجاع عقارب الزمن للوراء، نحو وقف المخطط الهستيري التي تديره كائنات غير مرئية، دراما تعكس الوهم بالحقيقة وربما تشير ضمنيا لوباء حاضرنا المفتعل، إنها تنبؤات عصية على الإدراك، ثمة أيد غادرة تعبث في الخفاء بعيدة عن أعين البشر.